البطوش يكتب: كيف نبني مجتمعاً يفهم القانون؟

منذ 2 ساعة
27098
البطوش يكتب: كيف نبني مجتمعاً يفهم القانون؟
ماهر البطوش

ماهر البطوش

ليست قوة الدول بعدد القوانين التي تملكها، بل بقدرتها على صناعة مجتمع يفهم معنى القانون قبل أن يخشاه. فالنصوص مهما بلغت دقتها تبقى عاجزة عن تحقيق غاياتها إذا بقيت بعيدة عن وعي الناس، لأن القانون لم يوجد ليبقى حبراً على الورق، وإنما ليحمي المجتمع وينظم الحياة ويمنع الفوضى.

ومع تعقد الحياة اليومية التي نعيشها، أصبح الإنسان يتعامل مع القانون في كل تفاصيله دون أن يشعر بذلك. من عقد العمل، إلى البيع والشراء، إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى العلاقات الأسرية، كلها الآن أصبحت ترتبط بآثار قانونية قد يجهلها كثير من الناس.

ورغم ذلك، ما يزال البعض لا يقترب من القانون إلا بعد وقوع المشكلة، وكأن العلاقة معه تبدأ داخل المحكمة. وهذه الفجوة بين المجتمع والقانون جعلت الكثير من الأفراد يجهلون حقوقهم وواجباتهم، أو يتصرفون بطريقة قد تُرتب عليهم مسؤولية قانونية دون إدراك حقيقي لنتائجها.

وفي الواقع إن جانباً كبيراً من النزاعات اليومية لا ينشأ عن جرائم معقدة أو أفعال مدروسة، وإنما يبدأ من غياب بسيط للفهم القانوني الصحيح. فخلافات أسرية تتفاقم بسبب الجهل بالحقوق والواجبات، ونزاعات مالية تتولد من اتفاقات غير واضحة أو غير موثقة، وأشخاص يقعون ضحية للاستغلال أو الاحتيال نتيجة نقص الوعي القانوني لديهم أو غياب الحد الأدنى من الثقافة القانونية التي تحميهم وتوجه تصرفاتهم.

كما أن الاستخدام الخاطئ لوسائل التواصل الاجتماعي كشف حجم المشكلة بصورة أوضح، حيث يتعامل البعض مع النشر أو الإساءة أو التشهير وكأنها أفعال بلا تبعات قانونية. بينما الواقع يؤكد أن الكلمة اليوم قد تُنشئ مسؤولية قانونية كاملة كما تفعل الأفعال المباشرة.

ومن هنا تظهر أهمية الفهم القانوني، ليس باعتباره شأناً يخص المختصين وحدهم، بل باعتباره وسيلة لحماية المجتمع قبل وقوع الضرر. فالمقصود بالفهم القانوني ليس تحويل كل مواطن إلى رجل قانون، وإنما تمكينه من معرفة حقوقه وحدود تصرفاته وآثار أفعاله.

كما أن الفهم القانوني لا يتعارض مع فكرة إلزام القانون، لأن القانون يُطبق بسلطة الدولة وأجهزتها المختصة سواء فهمه الناس أم لم يفهموه. لكن وجود الوعي القانوني داخل المجتمع يخفف النزاعات، ويعزز احترام النظام العام، ويجعل الالتزام بالقانون قائم على القناعة لا على الخوف فقط.

ولذلك فإن بقاء القانون محصوراً داخل الكتب الجامعية والقاعات المغلقة لم يعد كافياً في هذا العصر. فالمجتمع أصبح بحاجة ملحة إلى تقريب القانون من الناس بلغة واضحة وواقعية، لأن تعقيد الخطاب القانوني خلق فجوة حقيقية بين النصوص القانونية وحياة المواطن اليومية.

ومن هنا تبرز مسؤولية المؤسسات التعليمية في بناء وترسيخ الثقافة القانونية منذ المراحل المبكرة، عبر غرس مفاهيم الحقوق والواجبات والمسؤولية واحترام النظام. فالتوعية القانونية لا تعني فقط تدريس نصوص معقدة، بل إعداد جيل يعرف ويعلم كيف يتصرف بطريقة تحميه وتحمي مجتمعه.

أما الإعلام، فلم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح شريك أساسي ومباشر في تشكيل وعي المجتمع. ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس فقط عرض الجرائم والقضايا المثيرة، وإنما تقديم محتوى قانوني توعوي يشرح للناس القوانين بلغة بسيطة قريبة من واقعهم.

كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تفرض اليوم ضرورة أكبر لنشر الثقافة القانونية الصحيحة، خاصة مع انتشار المعلومات المغلوطة والمفاهيم غير الدقيقة. فغياب المحتوى القانوني الموثوق يفتح الباب أمام الشائعات وسوء الفهم والاستغلال، ويزيد من حالات الجهل القانوني داخل المجتمع.

ومن هنا فإن الحاجة أصبحت ملحة لإطلاق مبادرات مجتمعية وبرامج توعوية تُقرب القانون من الناس، سواء عبر المدارس أو الجامعات أو وسائل الإعلام أو المنصات الرقمية. فالوصول إلى المعلومة القانونية الواضحة لم يعد رفاهية، بل ضرورة لحماية الفرد والمجتمع معاً.

في النهاية إن المجتمع الذي يفهم القانون ليس المجتمع الذي تكثر فيه القضايا والمحاكم، بل المجتمع الذي يعرف كيف يمنع المشكلة قبل وقوعها، ويحترم الحقوق قبل أن يطالب بها، ويدرك أن سيادة القانون لا تتحقق بالنصوص وحدها، وإنما بوجود إنسان واعٍ يفهم معنى القانون وأثره على حياته ووطنه.

فالأردن اليوم لا يحتاج فقط إلى قوانين قوية، بل يحتاج أيضاً إلى ثقافة قانونية قوية، وإلى وعي مجتمعي يدرك أن بناء الدولة لا يكون بالعقوبات وحدها، وإنما ببناء إنسان يعرف، ويفهم، ويحترم القانون عن قناعة وإدراك.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم