شهم الخوالده يكتب: الذكاء الإصطناعي والمسؤولية القانونية في الأردن

منذ 2 يوم
المشاهدات : 6366
شهم الخوالده يكتب: الذكاء الإصطناعي والمسؤولية القانونية في الأردن
شهم صالح سالم الخوالده

شهم صالح سالم الخوالده

"في مهنةٍ تُقاس فيها الكلمات بميزان المسؤولية، لا يكفي أن يكون الرأي القانوني سريعًا… بل يجب أن يكون صحيحًا، وقابلًا للمساءلة."

في إحدى القضايا، يعتمد محامٍ على أداة ذكاء اصطناعي لإعداد مذكرة قانونية خلال دقائق. تبدو الصياغة محكمة، والاستشهادات دقيقة، والحجج متماسكة. لكن أمام المحكمة، يتبيّن أن أحد القوانين التي تم الاعتماد عليه قانون قديم ولقد تم التعديل عليه منذ مدة، وأن التحليل استند إلى معلومات غير دقيقة. هنا، لا يُسأل النظام، ولا تُستدعى الخوارزمية للمساءلة… بل يقف المحامي وحده في مواجهة الخطأ.
هذا المشهد لم يعد افتراضيًا بالكامل، بل يعكس واقعًا يتشكل تدريجيًا مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى صميم العمل القانوني. وفي الأردن، حيث تقوم مهنة المحاماة على قواعد راسخة من المسؤولية المهنية والسرية، يطرح هذا التحول أسئلة قانونية دقيقة تتجاوز حدود الاستخدام التقني، لتصل إلى جوهر العلاقة بين المحامي وموكله، وحدود الاعتماد على أدوات لا يمكن مساءلتها قانونيًا.

المسؤولية القانونية: عبء لا ينتقل إلى الخوارزميات

رغم ما توفره أنظمة الذكاء الاصطناعي من سرعة وكفاءة، إلا أن القاعدة القانونية تبقى واضحة: المسؤولية لا تُفوّض. فالمحامي، بوصفه صاحب الصفة المهنية، يظل المسؤول عن كل ما يقدمه من أعمال قانونية، سواء أعدّها بنفسه أو استعان في صياغتها بأدوات ذكية. ولا يمكن، من الناحية القانونية، إسناد الخطأ إلى “النظام” أو التذرع بكونه مصدر المعلومة.

هذا الواقع يضع المحامي أمام مستوى أعلى من العناية المهنية، إذ لم يعد كافيًا الاعتماد على دقة الأداة، بل أصبح من الضروري التحقق الصارم من مخرجاتها. فالخطأ الصادر عن الذكاء الاصطناعي لا يُخفف المسؤولية، بل قد يُعد قرينة على الإهمال إذا لم تتم مراجعته بدقة.

السرية المهنية: اختبار حقيقي في بيئة رقمية

إذا كانت المسؤولية تمثل الوجه الأول للتحدي، فإن السرية المهنية تمثل وجهه الأكثر حساسية. فإدخال بيانات القضايا أو معلومات الموكلين في أنظمة الذكاء الاصطناعي قد يعرّضها لمخاطر غير مرئية، خاصة عندما تكون هذه الأنظمة مرتبطة بخوادم خارجية أو تعتمد على تخزين سحابي.

في هذا السياق، لا يعود السؤال متعلقًا بإمكانية الاستخدام، بل بمدى مشروعيته وحدوده. فالمحامي ملزم قانونًا وأخلاقيًا بحماية أسرار موكليه، وأي إخلال بهذه السرية بشكل غير مقصود قد يرتب مسؤولية قانونية جسيمة. ومع غياب قواعد واضحة تنظم هذه المسألة، يجد المحامي نفسه في منطقة رمادية تتطلب حذرًا مضاعفًا وتقديرًا دقيقًا للمخاطر.

حجية المخرجات: أداة مساعدة لا دليلًا قانونيًا

على الرغم من التطور الكبير في قدرات الذكاء الاصطناعي، إلا أن مخرجاته لا تتمتع بحجية قانونية مستقلة. فالمحاكم لا تنظر إلى النصوص بوصفها مجرد معلومات، بل تقيمها في ضوء مصدرها، وسلامة الاستدلال فيها، ومدى توافقها مع الأصول القانونية.

وعليه، فإن أي مذكرة أو رأي قانوني تم إعداده بمساعدة الذكاء الاصطناعي لا يمكن تقديمه كما هو، دون مراجعة بشرية واعية. فالاعتماد الأعمى على هذه المخرجات لا يهدد جودة العمل القانوني فحسب، بل قد يُضعف الموقف القانوني أمام القضاء.

فراغ تشريعي… ومسؤولية مؤجلة

ربما تكمن الإشكالية الأعمق في غياب إطار تشريعي واضح ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي في مهنة المحاماة في الأردن. فالقوانين الحالية لم تُصمم للتعامل مع أدوات قادرة على إنتاج محتوى قانوني شبه متكامل، ولم تعالج بشكل صريح مسائل المسؤولية التقنية أو حماية البيانات في هذا السياق.

هذا الفراغ لا يعني حياد القانون، بل يعني تأخره عن مواكبة الواقع. وهو ما يفرض ضرورة تدخل تشريعي يضع ضوابط واضحة لاستخدام هذه التقنيات، ويحدد المسؤوليات بدقة، ويضمن التوازن بين الابتكار وحماية الحقوق.

نحو إطار عملي: كيف يواجه المحامي الأردني تحديات الذكاء الاصطناعي؟

في مواجهة هذه التحديات، لا يكفي التحذير من مخاطر الذكاء الاصطناعي، بل تبرز الحاجة إلى تبنّي مقاربة عملية تجمع بين التنظيم والتأهيل المهني. فعلى المستوى التشريعي، يصبح من الضروري تطوير قواعد واضحة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في مهنة المحاماة، بما يشمل تحديد حدود المسؤولية، ووضع معايير لحماية البيانات، وإلزام المحامين بالإفصاح عن استخدام هذه الأدوات في بعض الحالات. أما على المستوى المهني، فإن إدماج التدريب التقني ضمن برامج إعداد المحامين لم يعد خيارا ، بل ضرورة، بحيث يُصبح المحامي قادرا على فهم أدوات الذكاء الاصطناعي لا مجرد استخدامها. كما يمكن لنقابة المحامين أن تضطلع بدور محوري من خلال إصدار مدونات سلوك مهني خاصة بالتعامل مع هذه التقنيات، تضمن تحقيق التوازن بين الاستفادة منها والحفاظ على جوهر المهنة. وفي نهاية المطاف، فإن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي لا يتحقق بالمنع، بل بالتنظيم الواعي والرقابة المهنية المستمرة.

خاتمة
في النهاية، لا يكمن الخطر في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في طريقة استخدامه. فالتقنية، مهما بلغت دقتها، تظل أداة بلا مسؤولية قانونية، بينما يبقى المحامي هو الضامن الأول للعدالة وحسن تطبيق القانون. وبين سرعة الخوارزميات وثبات القواعد القانونية، تتشكل معادلة جديدة تفرض على المحامي الأردني أن يكون أكثر وعيًا، وأكثر حذرًا، وأكثر استعدادًا لعالمٍ لا يعترف بالأخطاء… حتى وإن جاءت من آلة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم