زيد الزيود يكتب: حين تُختزل الحوكمة في الإجراءات… تولد البيروقراطية

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 26402
 زيد الزيود يكتب: حين تُختزل الحوكمة في الإجراءات… تولد البيروقراطية
زيد الزيود

زيد الزيود

في خضم الحديث المتصاعد عن الإصلاح الإداري في الأردن، برز مفهوم الحوكمة باعتباره أحد أهم أدوات التطوير المؤسسي، وهو في الأصل مفهوم متقدم يهدف إلى تعزيز الشفافية، وترسيخ المساءلة، ورفع كفاءة القرار، وضمان عدالة الممارسة الإدارية.

لكن ما يحدث أحيانًا في التطبيق، أن هذا المفهوم النبيل يُختزل بصورة خاطئة إلى مجرد تكثيف للإجراءات، وتوسيع لدائرة الموافقات، وتضخم في المسارات الإدارية، وكأن الحوكمة تعني تلقائيًا المزيد من التعقيد.

وهنا يكمن الخلل.

فالفرق كبير بين الحوكمة والبيروقراطية؛ الأولى تصنع إطارًا واضحًا لاتخاذ القرار، أما الثانية فقد تتحول إلى عبء يستهلك القرار نفسه.

الحوكمة لا تعني أن نضيف توقيعًا جديدًا على كل معاملة، ولا أن نُنشئ طبقة إضافية من المراجعات، ولا أن نُربك صاحب الصلاحية حتى يتردد قبل أن يقرر.

عندما تُفهم الحوكمة بهذه الطريقة، فإنها تفقد جوهرها، وتتحول من أداة تمكين إلى أداة تعطيل.

والأخطر من ذلك أنها تُنتج ثقافة مؤسسية جديدة: ثقافة "الأيدي المرتجفة".

في هذه الثقافة، لا يصبح السؤال: ما هو القرار الصحيح؟
بل يصبح: كيف أتجنب المسؤولية إذا حدث خطأ؟

وهنا تبدأ المؤسسات بخسارة أهم ما تملك: شجاعة القرار.

الموظف يتردد، المدير يؤجل، والملف يدور بين المكاتب… ليس لأن النظام يحمي الجودة، بل لأن الجميع يبحث عن غطاء إداري يقيه المساءلة.

هذا ليس حوكمة.
هذا شكل حديث من أشكال البيروقراطية التقليدية.

والحقيقة أن الحوكمة الفاعلة لا يمكن أن تُبنى بعقلية ورقية.

أي حديث جاد عن الحوكمة يجب أن يقترن مباشرة بـ أتمتة الإجراءات والتحول الرقمي؛ لأن التكنولوجيا هنا ليست خيارًا تجميليًا، بل جزء من فلسفة الإدارة الحديثة.

أتمتة الإجراءات تعني:
أن ينتقل القرار عبر مسار واضح ومحدد،
أن تُختصر الدورة الزمنية للمعاملة،
أن تُعرف المسؤوليات بدقة،
وأن تصبح الرقابة جزءًا من النظام نفسه، لا عبئًا إضافيًا عليه.

فالمنصة الرقمية لا تعرف المزاج الإداري، ولا تتأثر بالاجتهاد الشخصي، ولا تسمح بضياع المعاملات بين الأدراج.

إنها تُحقق ما وُجدت الحوكمة لأجله أصلًا: الوضوح، والسرعة، والشفافية، والمساءلة.

الأردن اليوم لا يحتاج إلى مؤسسات تخشى القرار تحت شعار الحوكمة، بل إلى مؤسسات تثق بقراراتها لأنها محكومة بأنظمة واضحة ومدعومة بأدوات ذكية.

نحن لا نحتاج إلى المزيد من البيروقراطية بثوب جديد،
بل إلى حوكمة ذكية تُبسّط الطريق، وتُطمئن متخذ القرار، وتُعيد تعريف النجاح الإداري بمعيار الإنجاز لا بعدد التواقيع.

فالفرق جوهري:
إما أن نفهم الحوكمة كمنظومة تمكين…
أو نحولها، دون أن نشعر، إلى نسخة أكثر أناقة من البيروقراطية القديمة.

لأن المؤسسات لا تُقاس بعدد التواقيع التي تمر بها المعاملة، بل بقدرتها على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم