كتاب بسعر سيارة .. "هوس القراءة" الذي حوّل الأدب إلى عملة صعبة في الاتحاد السوفيتي

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 13163
كتاب بسعر سيارة ..  "هوس القراءة" الذي حوّل الأدب إلى عملة صعبة في الاتحاد السوفيتي
سرايا - تسببت سياسة تفضيل الأيديولوجيا على رغبات القراء في ظهور ظاهرة "نقص الكتب" بالاتحاد السوفيتي، ما حول الأعمال الأدبية الكلاسيكية إلى عملة صادرة ورمز للمكانة الاجتماعية.

ولم يكن نقص الكتب ناتجا عن فراغ الرفوف، بل على العكس، كانت المكتبات تكتظ بأعمال الماركسية اللينينية والواقعية الاشتراكية التي لم تحظَ بإقبال جماهيري. وفي المقابل، كانت الكتب التي تلاقي رواجا كبيرا تُطبع بكميات محدودة لا تتجاوز 100 ألف نسخة لشعب يبلغ تعداد سكانه 280 مليون نسمة، مما جعل النسخ المتاحة غير كافية إطلاقا حتى في المدن الكبرى، وهو ما يثير التساؤل حول أسباب امتناع الدولة عن طباعة كميات إضافية من تلك الإصدارات القيّمة.


الأيديولوجيا والإنتاج.. أسباب أزمة "نقص الكتب" في المجتمع السوفيتي

أعطت سياسة الدولة في الاتحاد السوفيتي الأولوية للأهداف الأيديولوجية على حساب رغبات القراء، حيث خضع قطاع النشر لرقابة صارمة من وكالتي "غلافليت" و"غوسكوميزدات" اللتين أشرفتا على الخطط الموضوعية لكل المواد المطبوعة في البلاد.

وفي حين لم يكن الأدب الترفيهي أو العالمي يمثل أولوية للدولة، خُصصت أكبر حصص الورق الفاخر والمطابع لنشر مجموعات مجلدات لينين وقادة الحزب ومواد المؤتمرات السياسية، وعوملت أعمال مشاهير الأدب مثل ألكسندر دوما أو الأخوين ستروغاتسكي كإضافات ثانوية.

وإلى جانب العائق الأيديولوجي، واجه الإنتاج نقصا حادا في الورق عالي الجودة ومحدودية في طاقة المطابع، ما جعل المشاريع غير السياسية تُطبع وفق ما يتبقى من موارد.

أدى هذا الخلل إلى تحول الكتاب النادر إلى رمز للمكانة الاجتماعية بدلا من كونه مجرد مصدر للمعرفة؛ فامتلاك مجموعة كلاسيكيات لدوما أو دوستويفسكي أو كونان دويل كان دليلا على الوجاهة الاجتماعية، تماما مثل اقتناء الثريات الكريستالية أو أطباق العشاء الفاخرة، وهو ما رسخ ظاهرة "نقص الكتب" كسمة فريدة لتلك الحقبة.

أحلام القراء السوفييت: سلاسل أدبية نادرة عادلت قيمتها أسعار السيارات

استقطبت الكلاسيكيات العالمية وروايات الخيال العلمي والجريمة اهتمام القراء السوفييت بشكل استثنائي، حيث شهدت كل طبعة جديدة تهافتا كبيرا نظرا لمحدودية النسخ المتاحة في الأسواق الرسمية. وتصدرت سلسلة "مكتبة الأدب العالمي" قائمة الكتب الأكثر رواجا، وهي مجموعة ضخمة تضم 200 مجلد تشمل روائع الأدب؛ حيث استحال العثور عليها في المتاجر العادية، ووصل سعر المجموعة الكاملة في السوق السوداء إلى 10 آلاف روبل، وهو ما يعادل ثمن سيارة "فولغا GAZ-24" جديدة آنذاك.

كما حظيت سلسلة "مكتبة المغامرات والخيال العلمي" بشعبية هائلة رغم طباعة مئات الآلاف من نسخها، بجانب سلسلة "الخيال العلمي الأجنبي" التي عرّفت القراء على أعمال أسيموف وبرادبري وشيكلي، وقفزت أسعار مجلداتها في السوق الموازية إلى 25 روبلا رغم أن سعرها الرسمي لم يتجاوز الثلاثة روبلات.

ونالت سلسلة "رواد أدب الجريمة السوفيتي" التي ضمت أعمال الأخوين فاينر ويوليان سيمينوف رواجا مفاجئا، حيث تحولت هذه الروايات البوليسية إلى كنز ثمين يصعب اقتناؤه، مما عكس الفجوة الكبيرة بين رغبات القراء والقدرة الاستيعابية لقطاع النشر الحكومي.

كيف واجه القراء السوفييت ندرة الكتب؟

في ظل نظام اقتصادي لم يعتمد دائما على توفر السلع مقابل المال، اضطر القراء في الاتحاد السوفيتي لابتكار أساليب متنوعة للحصول على الإصدارات الأدبية المتميزة، مما حول عملية اقتناء الكتب إلى ما يشبه "رحلة صيد" تتطلب جهدا وذكاء.

فقد اعتمد الناس أساليب رسمية مثل نظام "مقايضة الورق"، حيث كان تسليم كميات كبيرة من الورق المستعمل لمراكز إعادة التدوير يمنح الفرد قسيمة لشراء كتب نادرة.

كما استغل البعض رحلات العمل إلى المناطق النائية أو دول الكتلة الشرقية للعثور على كتب لم تكن متوفرة في المدن الكبرى بسبب نظام التوزيع المخطط. وإلى جانب التبادل المباشر عبر الإعلانات ونوادي الكتب، لعبت العلاقات الشخصية أو ما كان يعرف بـ "النفوذ" دورا كبيرا في الوصول إلى النسخ المحدودة عبر موظفي المكتبات ودور النشر.

أما الخيار الأخير لمن لم يملك المعارف، فكان اللجوء إلى التجمعات العفوية والأسواق غير الرسمية التي كانت تقام في الحدائق العامة أو بالقرب من المكتبات الكبيرة، حيث كانت الكتب تباع بأسعار مرتفعة جدا.

خلقت هذه التحديات ارتباطا عميقا بالثقافة، لدرجة أن الكتب أصبحت رمزا للمكانة الاجتماعية ومحورا للنقاشات العميقة بين الأصدقاء والعائلات.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم