ماذا تعني حزمة الـ9 مليارات للاقتصاد الاردني؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 19425
ماذا تعني حزمة الـ9 مليارات للاقتصاد الاردني؟

سرايا - في لحظة اقتصادية محلية مثقلة بتحديات النمو وارتفاع كلف المعيشة، يبرز التوجه الحكومي بضخ نحو 9 مليارات دولار في الاقتصاد الوطني كمؤشر على تحول في فلسفة إدارة الاقتصاد، من نمط الاعتماد على التحفيز المحدود إلى الرهان على استثمارات رأسمالية كبرى ذات أثر ممتد.

فالحكومة، عبر هذا التوجه، لا تستهدف فقط تنشيط الدورة الاقتصادية على المدى القصير، وإنما تسعى- نظريًا - إلى إعادة تشكيل محركات النمو نفسها عبر مشاريع بنيوية في قطاعات النقل والمياه والطاقة، وفق ما يؤكده اقتصاديون.
غير أن قراءة هذا التوجه تتجاوز حجمه إلى طبيعته وتوقيته؛ إذ يأتي في سياق سعي رسمي لتسريع تنفيذ مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، وسط إدراك متزايد بأن معدلات النمو الحالية لم تعد كافية لاستيعاب الضغوط الديمغرافية ومتطلبات سوق العمل.

 

وعليه، يرى خبراء أن هذه الحزمة الاستثمارية تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الاقتصاد الأردني على الانتقال من اقتصاد تحفيزي إلى اقتصاد إنتاجي، خاصة إذا ما نجحت في خلق سلاسل قيمة مضافة تتجاوز الإنفاق المباشر.

لكن، في المقابل، يفرض هذا المسار جملة من التساؤلات الجوهرية المرتبطة بقدرة التنفيذ وكفاءة إدارة الحكومة للشراكات، ومدى انعكاس هذه الاستثمارات على الاقتصاد الحقيقي، لا سيما فيما يتعلق بالتشغيل وتعميق الإنتاج المحلي. فالتجارب الاقتصادية تشير إلى أن ضخ الاستثمارات، مهما بلغ حجمه، لا يتحول بالضرورة إلى نمو مستدام ما لم يُحَط بسياسات تكاملية تعزز المحتوى المحلي وترفع كفاءة الإنفاق.
من هنا، لا يبدو الرهان على الـ9 مليارات دولار رهانًا رقميًا بقدر ما هو رهان على "كيف" ستُنفق هذه الأموال، و"أين" ستترك أثرها الفعلي. وبين التفاؤل بإمكانية إحداث نقلة نوعية، والتحفظ المرتبط بمخاطر التنفيذ، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تمثل هذه الحزمة بداية لتحول هيكلي في الاقتصاد الأردني، أم أنها موجة تحفيزية كبيرة لكنها مؤقتة في اقتصاد اعتاد الدورات القصيرة للنمو؟

وكان رئيس الوزراء جعفر حسان قد تعهد، خلال جلسة مجلس الوزراء الأسبوعية التي عُقدت في محافظة إربد، بضخ نحو 9 مليارات دولار في الاقتصاد الوطني العام المقبل، لأول مرة في تاريخ المملكة، وذلك من خلال تنفيذ عدد من المشاريع الكبرى. وأشار في هذا السياق إلى المشاريع الإستراتيجية التي تمضي الحكومة في تنفيذها، كمشروع سكة حديد ميناء العقبة، ومشروع الناقل الوطني للمياه، واللذين بدأت الحكومة إجراءات فعلية لتنفيذهما، إلى جانب مشروع خط غاز الريشة الذي سيبدأ العمل فيه مع نهاية العام الحالي، إضافة إلى مشاريع أخرى في قطاع الطاقة، ومشاريع الاستاد الدولي، والمركز الدولي للمعارض، والمدينة الترفيهية ضمن مشروع مدينة عمرة، وغيرها من المشاريع التي ستفيد مختلف المحافظات وتحرك قطاعات متعددة.
وأكد حسان أن هذا الحجم من الاستثمارات ستكون له عوائد مباشرة على الاقتصاد الأردني وفرص التشغيل، لافتًا إلى أن معظم هذه المشاريع ستُنفذ بشراكات وطنية - أجنبية، مع وجود استثمار أردني فيها، وفتح المجال للاكتتاب في بعض المشاريع بما يتيح للمواطنين المشاركة فيها.
حراك اقتصادي واسع منتظر
واعتبر وزير الدولة لشؤون الاقتصاد السابق يوسف منصور أن تعهد الحكومة بضخ 9 مليارات دولار في الاقتصاد الوطني العام المقبل يمثل مدعاة للتفاؤل بإمكانية النهوض بالاقتصاد الوطني، وخطوة كبيرة نحو تحقيق الرؤى التنموية والاقتصادية المنشودة منذ سنوات.
وأكد منصور أن هذا التعهد من شأنه أن ينعكس سريعًا على تحسن أداء مؤشرات الاقتصاد الوطني، لا سيما معدل النمو الاقتصادي، والارتقاء به نحو مستويات تقترب من مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي المحددة عند 5.6 %، إضافة إلى استحداث آلاف فرص العمل التي تسهم في خفض معدلات البطالة، فضلًا عن تحسين البنى التحتية والخدمية بما يدعم تنشيط عجلة الاقتصاد.
وبيّن أنه يمكن، من خلال ضخ هذا المبلغ، استقطاب استثمارات إضافية بقيمة مماثلة عبر المشاريع المساندة، ما سيخلق حراكًا اقتصاديًا واسعًا وغير مسبوق، يقود إلى طفرة تنموية يمتد أثرها لعدة سنوات.
وأشار منصور إلى أن القطاعات الاقتصادية كافة تمتلك القدرة على الاستجابة لهذا الزخم التمويلي والمشاريعي، سواء في القطاعين العام أو الخاص، بفضل ما تتمتع به من قدرات بشرية ومعرفية وتنفيذية.
وفي المقابل، شدد على ضرورة التعامل مع هذا التعهد بعقلانية، موضحًا أن ضخ المبلغ سيتم تدريجيًا وليس دفعة واحدة، ما يعني أن الأثر الاقتصادي لن يكون فوريًا بالكامل، ولا ينبغي بناء توقعات بتحول لحظي سريع.
تحقيق توازن دقيق بين جذب الاستثمار وحماية المصلحة الوطنية
من جانبها، أكدت الخبيرة الاقتصادية ريم بدران أن التوجه الحكومي لإنفاق 9 مليارات دولار خلال المرحلة المقبلة يشكل لحظة اقتصادية مفصلية، ليس فقط من حيث الحجم، بل من حيث طبيعة التحول الذي يمكن أن تُحدثه هذه المشاريع إذا ما أُديرت برؤية متكاملة.
وشددت بدران على أنه في حال تنفيذ هذه الاستثمارات بكفاءة، فإنها قد تمثل نقطة انتقال نحو نموذج اقتصادي أكثر إنتاجية واستدامة، قائم على الصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية. واعتبرت أن مفتاح النجاح يكمن في سرعة التنفيذ، والتكامل بين القطاعات، والقدرة على التفاوض الإستراتيجي بما يضمن أن تكون هذه المشاريع رافعة حقيقية للاقتصاد، لا مجرد استثمارات عابرة.
وبيّنت أن هذه الحزمة مرشحة لإحداث أثر مباشر على البطالة، خاصة خلال مراحل التنفيذ التي تتطلب أعدادًا كبيرة من العمالة، إلى جانب أثر أعمق يتمثل في خلق فرص تشغيل مستدامة في قطاعات النقل والطاقة والخدمات اللوجستية والسياحة، ما يسهم في خفض البطالة الهيكلية.
وأكدت أهمية ربط هذه المشاريع ببرامج تدريب وتأهيل لضمان استفادة العمالة الأردنية، ومنع تسرب الفرص لصالح العمالة المستوردة.
كما أشارت إلى أن ضخ هذا الحجم من الاستثمارات، خاصة عبر شراكات وطنية - أجنبية، سيعزز تدفقات العملة الأجنبية ويدعم الاحتياطيات، ويخفف الضغط على ميزان المدفوعات. ومع تطوير مشاريع مثل سكة الحديد وميناء العقبة، يمكن للأردن تعزيز موقعه كمركز لوجستي إقليمي.
ولفتت إلى أن القيمة الحقيقية لهذه المشاريع تكمن في أثرها المضاعف، إذ تمتد لتشمل تحفيز صناعات محلية كالإسمنت والحديد والصناعات الهندسية والخدمات، ما يخلق منظومة إنتاجية متكاملة، شرط تبني سياسات واضحة لتعظيم المحتوى المحلي. كما نبهت إلى الأهمية الإستراتيجية لمشاريع الطاقة، مثل تطوير حقل الريشة وخط الغاز الوطني، في تعزيز أمن الطاقة وتقليل التعرض للصدمات الجيوسياسية، ما يعزز الاستقرار الاقتصادي والسياسي.
وترى بدران أن العامل الحاسم في نجاح هذه الرؤية يتمثل في القدرة على تحقيق توازن دقيق بين جذب الاستثمارات الأجنبية وحماية المصلحة الوطنية، خاصة في ظل الحاجة إلى شراكات مع شركات وخبرات دولية.
وأشارت إلى أن طرح بعض المشاريع كشركات مساهمة عامة يمثل خطوة مهمة لتعزيز الثقة وتوسيع قاعدة الملكية، وتحويل النمو الاقتصادي إلى مشروع وطني جامع، بشرط الالتزام بأعلى معايير الشفافية والحوكمة.
ضرورة تعظيم المحتوى المحلي للمشاريع
بدوره، يرى الخبير الاقتصادي إياد أبو حلتم أن التركيز الحكومي ينصب حاليًا على حزمة من المشاريع الإستراتيجية ذات الأثر العميق، وفي مقدمتها مشروع سكة حديد العقبة، والناقل الوطني للمياه، إلى جانب مشاريع تطويرية في العاصمة تشمل البنية التحتية الرياضية ومراكز المؤتمرات والمعارض والترفيه.
وأشار أبو حلتم إلى أن ضخ المبلغ سيتم تدريجيًا وفق مراحل التنفيذ، وقد يمتد بين عامين إلى أربعة أعوام، معتبرًا أن أهمية التوجه لا تكمن في حجم الرقم فقط، بل في طبيعة المشاريع الرأسمالية القادرة على تحفيز النشاط الاقتصادي.
وأكد أن هذه المشاريع مرشحة لإحداث انتعاش ملموس في الدورة الاقتصادية، خاصة مع توقع تدفق استثمارات أجنبية مباشرة، ما سينعكس إيجابًا على معدلات النمو التي قد تتجاوز 3.5 % خلال العام المقبل.
وشدد على أهمية تعظيم "المحتوى المحلي" عبر إشراك الشركات الأردنية في تنفيذ المشاريع أو تأسيس كيانات استثمارية محلية، بما يعزز القيمة المضافة ويضمن استفادة أوسع للقطاعات الإنتاجية والخدمية.
وأضاف أن الأثر الاقتصادي لن يقتصر على النمو، بل سيمتد إلى تحسين مؤشرات التشغيل من خلال خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، خصوصًا إذا ما تم إشراك شركات المقاولات والصناعات والخدمات الهندسية المحلية.
ولفت إلى أن بعض المشاريع، وعلى رأسها الناقل الوطني للمياه، قد تسهم في نقل المعرفة والتكنولوجيا إلى السوق الأردني عبر الشراكات مع شركات دولية، ما يعزز قدرات الكوادر المحلية.
وأشار أبو حلتم إلى أن طبيعة التمويل والتنفيذ ستتوزع بين استثمارات أجنبية مباشرة، وشراكات مع القطاع الخاص، واستيراد معدات وتقنيات حديثة، مؤكدًا أن الاقتصاد الأردني يمتلك القدرة على التكيف مع هذه التحولات واستيعابها، في ظل وجود قاعدة جيدة من الشركات العاملة في قطاعات الإنشاءات والخدمات الهندسية والصناعات المرتبطة بها.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم