الخوالدة يكتب: برنامج الطيبات: جدل صحي بين خطاب شعبي ومعيار علمي !

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 6849
 الخوالدة يكتب: برنامج الطيبات: جدل صحي بين خطاب شعبي ومعيار علمي !
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

في كل مرة نختلف فيها حول فكرة، نتصرف وكأننا أول من اكتشفها… وأول من يجب أن يحسمها.
وهكذا عاد الحديث عن برنامج “الطيبات”، لا بوصفه تجربة قابلة للنقاش، بل كأنه معركة يجب أن يُهزم فيها طرف.

رحل ضياء العوضي، رحمه الله، وبقي الجدل.
وهذا بحد ذاته كافٍ ليدلنا أن القضية ليست في شخص، بل في فراغٍ ما… يبحث عمّن يملأه.

الناس لا تتبع البرامج من فراغ.
هي تبحث عمّا يطمئنها… عمّا يشبهها… عمّا تفهمه.
وفي زمنٍ أصبحت فيه المصطلحات الطبية أعقد من أن تُشرح، كان طبيعيًا أن ينجذب البعض إلى خطاب بسيط يقول: “كُل جيدًا… تُشفى”.

لكن، يا سيدي، دعنا نخرج من التنظير قليلًا… وننظر حولنا.
انظر إلى المطاعم… وانظر إلى المحلات التي تقدم الغذاء.
ستجد أن الملتزم منها قليل… وقليل جدًا،
وأن غير الملتزم هو القاعدة… لا الاستثناء.

فأين نحن من كل هذا الحديث؟

كيف نناقش برامج غذائية مثالية، بينما واقع الغذاء اليومي نفسه يحتاج إلى مراجعة؟
كيف نختلف على “نظام صحي”، ونحن لم نحسم بعد معايير السلامة الأساسية في ما يُقدَّم للناس كل يوم؟

لذلك، ربما يكون من الأجدر أن نأخذ هذه الظواهر—بما فيها “الطيبات”—على أنها صرخة،
صرخة تدعو إلى إعادة النظر في واقعنا الصحي، لا إلى الانقسام حولها.

وفي هذا السياق، لا بد من الاعتراف بأننا في المملكة الأردنية الهاشمية نمتلك واحدًا من أفضل نماذج تقديم الخدمات الصحية الحكومية في العالم العربي، برسوم رمزية وإمكانيات متاحة لشريحة واسعة من المواطنين.
وهذا مكسب حقيقي يجب البناء عليه، لا الاكتفاء به.

ومن المهم، بهدوء بعيدًا عن الاصطفاف، أن نُذكّر بحقيقة بسيطة:
أي طرح يتعلق بصحة الإنسان لا يُقاس بحسن النية، ولا بانتشاره، بل بما يُعرف بالدليل العلمي (Evidence-Based Practice)، أي ذلك التراكم من الأبحاث الرصينة والمتكررة التي تُثبت فعالية أي تدخل وسلامته.

وهنا تحديدًا كان موضع الجدل.
فبينما رأى مختصون أن البرنامج لم يستند بما يكفي إلى هذا النوع من الأدلة، وجد فيه آخرون محاولة لإعادة التوازن، وإعادة الاعتبار للغذاء ونمط الحياة، في مقابل هيمنة الطرح الدوائي.

وبين هذين الرأيين، تبقى الحاجة قائمة إلى قراءة أكثر هدوءًا…
لا تُقصي الفكرة، ولا تمنحها ما ليس لها.

نعم، الغذاء مهم.
ونعم، هناك مبالغة أحيانًا في الاعتماد على الدواء.
لكن الحقيقة الأكثر هدوءًا هي أن الإنسان لا يُختزل في طبق طعام.

هناك نفسٌ تُرهقها الضغوط،
وجسدٌ يُثقل بالخمول،
وغذاءٌ يختلط فيه الجيد بالرديء،
وعلاجٌ… قد يكون ضرورة لا خيارًا، كما في حالات مثل داء السكري من النوع الأول، حيث لا مجال للاجتهاد.

في النهاية، لسنا بحاجة إلى أن نكون “مع” أو “ضد”.
نحن بحاجة إلى أن نكون… أدق.

أن نقرأ الظواهر كإشارات،
لا كمعارك.

وأن ندرك أن الطريق إلى الصحة لا يمر عبر برنامج واحد،
بل عبر منظومة تبدأ من وعي الفرد،
وتتكامل مع دور المؤسسة،
وتنتهي بسياسات تُدير المشهد بعقل… لا بردة فعل.

غير ذلك، سنبقى نطرح السؤال نفسه… كل مرة:
أين نحن؟
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم