تهاني روحي تكتب: حين يتحول البيت من ملاذ إلى خطر

منذ 2 ساعة
6979
تهاني روحي تكتب: حين يتحول البيت من ملاذ إلى خطر
تهاني روحي

تهاني روحي

لا أميل عادةً إلى الكتابة في مواضيع أخذت كفايتها على وسائل التواصل الاجتماعي من الجعجعة والصخب، تلك التي تنبع غالباً من ردود فعل آنية. غير أن تكرار المشاهد المؤلمة التي باتت تصدمنا يوماً بعد يوم، دفعني إلى الخروج عن هذه القاعدة.


فما نشهده اليوم لم يعد مجرد عنف أسري بالمعنى المألوف، بل انتقل إلى مرحلة أشد قتامة؛ أم تقتل أطفالها ثم تنهي حياتها، وأب يقتل أبناءه في لحظة انهيار. نحن أمام ظاهرة تستدعي وقفة جادة، خاصة مع ما تشير إليه دراسات وطنية بدعم من اليونيسف بأن أكثر من نصف الأطفال في الأردن تعرضوا لشكل من أشكال العنف، مع نسب ترتفع في بعض الفئات إلى مستويات أعلى.
ولا يمكن اعتبار الأسرة وحدة إنسانية فحسب بل هي جوهر المجتمع البشري. وهي الحاضنة التي تتشكل فيها القيم الأخلاقية. في جوّها يتلقّى الأفراد مبادئ المحبة والاحترام، ويتعلمون الصبر والعدل، ويكتسبون أدوات التعامل مع العالم. بيد أن هذه الصورة المضيئة ليست القصة كاملة. فبقدر ما تكون الأسرة حاضنةً للقيم والفضائل، يمكن أن تكون بيئة خصبة للعلل والأمراض النفسية والاجتماعية. فعادات الظلم والاستبداد والعنف والتنمّر لا تُولد في الشارع؛ هي في أغلب الأحيان تبدأ بذرتها في البيت، بعيداً عن المودة والشفقة والتسامح، ثم تنمو وتكبر حتى تنتقل إلى المدرسة ومكان العمل، لتجد طريقها في نهاية المطاف إلى المجتمع.
وتجاهل حقوق الطفل داخل الأسرة يرسّخ ثقافة فرض الإرادة ومنطق القوة. والخطر أن الأبناء لا يعانون فقط، بل يحملون معهم مشاعر مكبوتة قد تنفجر في أي لحظة.
لمبدأ العدالة أثر عميق في تماسك الأسرة. فحين تسود العدالة، تُصان الحقوق ويؤدي كل فرد دوره. أما حين تُزرع ثقافة التفريق وحب الذات على حساب الآخر، بين "نحن وهم"، فإنها تُقوّض أركان العدالة وتزرع اللامبالاة أمام معاناة الغير.
ما الذي نحتاجه فعلاً؟ أول ما يجب التوقف عنده هو الفكرة الخاطئة. التي يجب مواجهتها هي اعتبار العنف الأسري شأناً عائلياً داخلياً. فالمنزل لم يعد حَكَما نهائيا حين يتعلق الأمر بالعنف. والقانون وحده لا يكفي؛ وهو ما أكده مسؤولون في إدارة حماية الأسرة والأحداث، إذ يشيرون إلى أن ارتفاع التبليغ عن حالات العنف لا يعني بالضرورة زيادة الظاهرة بقدر ما يعكس تحسن الوعي، مقابل استمرار تحديات كبيرة في الوقاية المبكرة والتدخل قبل تفاقم الحالات. نعم نحتاج إلى تشريعات رادعة ومراجعة منظومة الحماية، لكننا نحتاج قبل ذلك وبعده إلى تغيير النهج والإستراتيجيات التي اتُّبعت على مدار سنوات.
نعم، نحتاج إلى قوانين رادعة، لكننا بحاجة أيضاً إلى تغيير النهج. نحتاج إلى خطة تشاركية تضم مختلف فئات المجتمع: معلمين، إعلاميين، قادة رأي، وصناع قرار. خطة لا تكتفي بالتوعية، بل تعالج الجذور كالفقر والبطالة وانهيار شبكات الأمان.
في النهاية، تكمن جذور المشكلة في تراجع القيم. فقدنا بيئة تنشئة سليمة، ونفقد تدريجياً تماسكنا الاجتماعي. ولن يتغير شيء ما لم نبدأ بإعادة بناء هذه البيئة.
ما نراه اليوم من أحداث مؤلمة في تعامل الأهل مع أطفالهم يذكّرنا بالدور الحقيقي للأسرة، ويُلقي علينا جميعاً مسؤولية لا يمكن الهروب منها. فالأسرة ليست مجرد سقف يجمع أشخاصاً تحته، بل هي المختبر الأول الذي يتشكّل فيه الإنسان، وتتحدد فيه رؤيته لنفسه وللعالم من حوله.
وما نزرعه اليوم داخل بيوتنا هو ما سيحصده المجتمع غدا.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم