حين ترتقي النيةُ في أعماق السريرة لتلامس صفاء المطر، فإنها نادراً ما تجد طريقاً ممهداً في واقع البشر؛ فالحكاية تبدأ من أننا نعيش في عالمٍ يرى فيه كل منا الحقيقة من خلال عدساته الخاصة التي صبغتها التجارب والمواقف.
والإنسان نفسه ليس استثناءً من هذا التباين؛ فهو يحمل في أعماقه بذور الخير والشر معاً، ويظل الفارق الحقيقي مكمناً في أي الجانبين يختار المرء أن يُغذي، ومن أي عدسة يختار أن يرى الآخرين.
حين تخرج النية الطيبة إلى النور، ربما تصطدم أحياناً بجدارٍ من سوء الظن؛ فالناس لا يملكون عيناً ثالثة ليروا ما في الصدور، بل يحملون تلك العدسات التي يرتدونها وفق تجاربهم؛ فمن يرتدي عدسة الشك قد يُسقط ريبته حتى على أنقى التصرفات، ومن يملك منظوراً إيجابياً يرى الجمال في أبسط الأفعال. وهنا يظهر أن التلوث قد لا يكون في النية ذاتها، بل في المنظار الذي تُقرأ به تلك النية.
يؤكد الواقع أن الإنسان ليس مجرد انعكاسٍ لظروفه أو صدىً لبيئته؛ فكثيراً ما نجد أخوين من طينةٍ واحدة، نشآ في كنفِ بيتٍ واحد، اختار أحدهما أن يكون وجهاً مشرقاً للخير، بينما سلك الآخرُ طريقاً مغايراً تماماً.
إن هذا التباين يبرهن على أن النية الطيبة ليست قدراً محتوماً يفرضه المحيط، بل هي خيارٌ واعٍ يتخذه المرء ويتمسك به رغماً عن كل العقبات؛ حتى يغدو ظاهره مرآةً جليةً لباطنه، بلا زيفٍ ولا أقنعة، وتتشكل لديه شخصيةٌ متكاملة، يتطابقُ فيها صدقُ السريرة مع ما يظهر للعلن.
وهنا، لا يسعنا إلا أن نستحضر قصة "ألفرد نوبل" كأعمق مثالٍ على هذا التباين؛ فقد حمل ابتكاره للديناميت في طياته وجهين متناقضين: الإعمار والدمار.
ففي سريرة نوبل، كانت الغاية هي تسهيل البناء، لكن العالم انحاز لرؤية الوجه المظلم واستخدامه فحسب. هذا التباعد بين ما يضمره المبتكر وبين ما يراه الناس، وضع نوبل أمام تحدٍ وجودي لإثبات حقيقته أمام تاريخٍ لا يرى إلا النتائج. إلا أن نوبل لم يستسلم، وأصر على تنقية أثره بتأسيس "جائزة نوبل للسلام"، مؤكداً أن الجوهر الداخلي هو ما ينبغي أن ينتصر في النهاية.
ويبقى الرهانُ دائماً على الوضوح كقيمةٍ عليا؛ فالإنسان هو صاحب القرار وصاحب المنظار. النوايا التي تشبه المطر موجودة، لكنها تحتاج لأرضٍ خصبة لكي تُزهر، بينما تظل النوايا الأخرى جزءاً من واقعٍ نُواجِهه بحذرٍ ووعي. فلا معنى للاستمرار في تبرير بياض القلب لمن يصر على ارتداء نظارةٍ سوداء؛ إذ يكفي أن تظل الشخصية متكاملة محتفظةً بنقاء باطنها ليكون هو نفسه وجهها الظاهر؛ فالأثر الطيب في النهاية هو الفيصل الوحيد الذي يغسل غبار سوء الظن مهما حاول العالم فرض ألوانه الخاصة.
أبو دياك تكتب: النية والقرار .. صراع الجوهر مع عدسات العالم
منذ 3 شهور
المشاهدات :
26729
الصيدلانية رنا أبو دياك
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
الأردن اليوم
مهم من "القبول الموحد" للناجحين في التوجيهي بشأن فتح باب التقديم للجامعات الرسمية
منذ 6 أيام
03
الأردن اليوم
"قالي يا بابا في سمكة رح تاكلني في البحر" .. فاجعة غرق الطفل إبراهيم المجالي تهز الأردن .. فيديو
منذ 6 أيام
04
05
آخر الأخبار
مقالات منوعة
علاء القرالة يكتب: الأردن بعيون صينية
منذ 18 ساعة
مقالات منوعة
سلامة الدرعاوي يكتب: الحكومة والموازنة .. معركة ما تبقى من العام
منذ 18 ساعة
مقالات منوعة
ماهر أبو طير يكتب: توظيف الخصوم في الحرب
منذ 19 ساعة
مقالات منوعة
هاني الفلاحات يكتب: أعجبني وأيضاً آلمني .. !!
منذ 1 يوم
مقالات منوعة
سلامة الدرعاوي يكتب: كيف ربحت الملكية الأردنية في زمن الأزمات؟
منذ 1 يوم
أخبار فنية
فن
إلغاء حفلتين لشاكيرا وكريستينا أغيليرا في أبو ظبي
منذ 2 ساعة
فن
عاصي الحلاني يهدي دانا وعريسها آلان "نصي التاني" لرقصتهما الأولى (فيديو)
منذ 4 ساعات
فن
بعد نقله للعناية المركزة .. هل أصيب محمد صبحي بالسكتة الدماغية؟
منذ 6 ساعات
فن
حقيقة ظهور محمد رمضان في برنامج منى الشاذلي
منذ 7 ساعات
فن
شريكة هونغ مين غي السابقة تكشف اتهامات بالعنف .. ووكالته ترد
منذ 8 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
الحكام تحت الميكروفون .. خطوة تاريخية في الدوري الإنجليزي
منذ 2 ساعة
رياضة
بوسكيتس يعود إلى برشلونة من بوابة التدريب
منذ 2 ساعة
رياضة
برشلونة يتوج بكأس خوان جامبر على حساب الأهلي المصري
منذ 4 ساعات
رياضة
روبرتو كارلوس لـ عكاظ: لم أعتنق الدين الإسلامي
منذ 4 ساعات
رياضة
"كدت أموت مرتين" .. حساسية خطيرة كادت تنهي حياة نجم ألمانيا
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
مصر .. تحرك ضد مسؤولين بسبب صناع محتوى
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
الولايات المتحدة .. سحب لعبة شهيرة بعد إصابات خطيرة استدعت دخول أطفال إلى المستشفى
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
نزهة تنتهي بفاجعة .. البحر يبتلع عائلة فلسطينية في بريطانيا
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
15 دقيقة يوميًا .. عادة بسيطة تساعدك على إنجاز المهام المؤجلة
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
لماذا نضحك؟ .. ما يكشفه الدماغ عن أقدم لغة بشرية
منذ 7 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات