ليست الأرقام التي تتحدث عنها الدراسات الاكتوارية، حين تشير إلى “نقاط التعادل”، أرقامًا جامدة؛ بل هي، في جوهرها، سؤال وجودي: متى تتساوى القدرة مع الكلفة دون أن يُستنزف المستقبل؟ وحين نُسقط هذا المفهوم على حياة المواطن الأردني، تتكشف صورة أشد قسوة مما توحي به المعادلات.
في التعريف البسيط، نقطة التعادل هي اللحظة التي تتوازن فيها الإيرادات مع المصروفات. غير أن هذا التوازن، في حياة الناس، ليس رقمًا على ورق، بل قدرة يومية على العيش دون قلق دائم أو انتظار طارئ يخلخل الاستقرار. وهنا يبرز السؤال: هل بلغ المواطن الأردني هذه النقطة؟
الواقع يشير إلى أن ما يُسمى بالتعادل الأول—أي تغطية الراتب للنفقات الأساسية—أصبح تعادلًا هشًا. فالدخل، سواء رواتب موظفي القطاع العام أو أجور العاملين في القطاع الخاص، لا يفي، في كثير من الحالات، بمتطلبات السكن والطاقة والغذاء والاتصالات. ومع الارتفاعات المتكررة في الأسعار، يخرج هذا التوازن سريعًا عن مساره. نحن أمام تعادل نظري لا يصمد أمام أول اختبار.
أما التعادل الثاني، الذي يقارب في التحليل الاكتواري الاعتماد على عوائد إضافية، فقد تحوّل لدى المواطن إلى وسائل تعويضية: عمل إضافي، استدانة، أو اتكاء على تحويلات عائلية. وهذا ليس توازنًا حقيقيًا، بل إدارة مستمرة لعجز قائم. إنه تعادل مؤجل، تُرحَّل كلفته إلى المستقبل على شكل التزامات متراكمة وضغط معيشي متزايد.
ثم تأتي المرحلة الثالثة، وهي الأخطر: حين يبدأ المواطن بتسييل ما يملك—مدخرات، ذهب، أو حتى أصول صغيرة. هنا لا يعود الحديث عن تعادل، بل عن استهلاك مباشر للمستقبل لتغطية الحاضر. إنها لحظة انكشاف، تتجاوز الاقتصاد إلى الإحساس بالأمان.
بين هذه المراحل الثلاث تتوزع أحوال الناس: قلة ما تزال تحافظ على توازن مقبول، شريحة واسعة تعيش في منطقة العجز المُدار، وفئات تقترب من حافة الاستنزاف. وبالمنطق الاكتواري الصارم، لا يُقاس التعادل بقدرة اليوم فقط، بل بقدرة الاستمرار دون تآكل الموارد. وبهذا المعيار، فإن ما نعيشه ليس تعادلًا مستدامًا، بل تأجيلًا منظّمًا للعجز.
الخلاصة التي لا تحتمل التجميل: المواطن الأردني، في معادلة الدخل والإنفاق، بلغ التعادل الأول بالكاد، ويقف فعليًا في منطقة بين التعادل الثاني والثالث؛ حيث يُدار العجز أكثر مما يُعالج، وتُستهلك الموارد أكثر مما تُنمّى.
وعليه، لم يعد الحديث عن الإصلاح الاقتصادي ترفًا نظريًا، بل شرطًا لإعادة تعريف هذه المعادلة، بحيث لا يكون التعادل مجرد بقاء، بل استقرارًا قابلًا للاستمرار. وهنا تُطرح مسؤولية واضحة على السياسات العامة: أن تراعي “الاكتوارية الاجتماعية” للمواطن، لأن استمرار ارتفاع الأسعار وتبريره لن يصمد طويلًا أمام واقع يتسع فيه الضغط المعيشي ويختل معه إيقاع الحياة اليومية.
ويبقى السؤال الحاسم: ما نسبة المواطنين الذين ما زالوا ضمن التعادل الأول أو الثاني أو الثالث؟ وكيف يتوزعون اجتماعيًا واقتصاديًا، بل وسياسيًا؟ بقلم الدكتور صبري راضي درادكة
في التعريف البسيط، نقطة التعادل هي اللحظة التي تتوازن فيها الإيرادات مع المصروفات. غير أن هذا التوازن، في حياة الناس، ليس رقمًا على ورق، بل قدرة يومية على العيش دون قلق دائم أو انتظار طارئ يخلخل الاستقرار. وهنا يبرز السؤال: هل بلغ المواطن الأردني هذه النقطة؟
الواقع يشير إلى أن ما يُسمى بالتعادل الأول—أي تغطية الراتب للنفقات الأساسية—أصبح تعادلًا هشًا. فالدخل، سواء رواتب موظفي القطاع العام أو أجور العاملين في القطاع الخاص، لا يفي، في كثير من الحالات، بمتطلبات السكن والطاقة والغذاء والاتصالات. ومع الارتفاعات المتكررة في الأسعار، يخرج هذا التوازن سريعًا عن مساره. نحن أمام تعادل نظري لا يصمد أمام أول اختبار.
أما التعادل الثاني، الذي يقارب في التحليل الاكتواري الاعتماد على عوائد إضافية، فقد تحوّل لدى المواطن إلى وسائل تعويضية: عمل إضافي، استدانة، أو اتكاء على تحويلات عائلية. وهذا ليس توازنًا حقيقيًا، بل إدارة مستمرة لعجز قائم. إنه تعادل مؤجل، تُرحَّل كلفته إلى المستقبل على شكل التزامات متراكمة وضغط معيشي متزايد.
ثم تأتي المرحلة الثالثة، وهي الأخطر: حين يبدأ المواطن بتسييل ما يملك—مدخرات، ذهب، أو حتى أصول صغيرة. هنا لا يعود الحديث عن تعادل، بل عن استهلاك مباشر للمستقبل لتغطية الحاضر. إنها لحظة انكشاف، تتجاوز الاقتصاد إلى الإحساس بالأمان.
بين هذه المراحل الثلاث تتوزع أحوال الناس: قلة ما تزال تحافظ على توازن مقبول، شريحة واسعة تعيش في منطقة العجز المُدار، وفئات تقترب من حافة الاستنزاف. وبالمنطق الاكتواري الصارم، لا يُقاس التعادل بقدرة اليوم فقط، بل بقدرة الاستمرار دون تآكل الموارد. وبهذا المعيار، فإن ما نعيشه ليس تعادلًا مستدامًا، بل تأجيلًا منظّمًا للعجز.
الخلاصة التي لا تحتمل التجميل: المواطن الأردني، في معادلة الدخل والإنفاق، بلغ التعادل الأول بالكاد، ويقف فعليًا في منطقة بين التعادل الثاني والثالث؛ حيث يُدار العجز أكثر مما يُعالج، وتُستهلك الموارد أكثر مما تُنمّى.
وعليه، لم يعد الحديث عن الإصلاح الاقتصادي ترفًا نظريًا، بل شرطًا لإعادة تعريف هذه المعادلة، بحيث لا يكون التعادل مجرد بقاء، بل استقرارًا قابلًا للاستمرار. وهنا تُطرح مسؤولية واضحة على السياسات العامة: أن تراعي “الاكتوارية الاجتماعية” للمواطن، لأن استمرار ارتفاع الأسعار وتبريره لن يصمد طويلًا أمام واقع يتسع فيه الضغط المعيشي ويختل معه إيقاع الحياة اليومية.
ويبقى السؤال الحاسم: ما نسبة المواطنين الذين ما زالوا ضمن التعادل الأول أو الثاني أو الثالث؟ وكيف يتوزعون اجتماعيًا واقتصاديًا، بل وسياسيًا؟ بقلم الدكتور صبري راضي درادكة
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات