د. هيثم علي حجازي يكتب: يوم في حياة موظف حكومي: ما الذي لا يراه المواطن؟

منذ 1 ساعة
12120
د. هيثم علي حجازي يكتب: يوم في حياة موظف حكومي: ما الذي لا يراه المواطن؟
د. هيثم علي حجازي

د. هيثم علي حجازي

حين يدخل المواطن إلى دائرة حكومية، فإنه يرى النافذة التي يقف أمامها، والموظف الذي يستقبل معاملته، والوقت الذي ينتظره، وربما يسمع عبارة: “راجعنا لاحقا” أو “المعاملة تحتاج توقيعا آخر”. ومن هذه اللحظة القصيرة تتشكل أحيانا صورة سلبية كاملة في ذهنه عن العمل الحكومي: بطء، روتين، تعقيد، وربما لا مبالاة. لكن ما لا يراه المواطن هو أن خلف تلك النافذة يوما كاملا من التفاصيل والضغوط والمسؤوليات التي لا تظهر للعين.
يبدأ يوم الموظف الحكومي غالبا قبل وصول أول مراجع. هناك بريد وارد، معاملات مؤجلة، كتب رسمية تحتاج إجابات، اتصالات من مؤسسات أخرى، وتحديثات على أنظمة إلكترونية قد تعمل بسلاسة وقد تتوقف في أكثر الأوقات ازدحاما. وفي كثير من الأحيان، لا يكون الموظف مسؤولا فقط عن إنجاز معاملة واحدة، بل عن سلسلة طويلة من الإجراءات التي تتداخل فيها التعليمات والقوانين والصلاحيات.
المواطن يرى الموظف جالسا خلف المكتب، لكنه لا يرى حجم المسؤولية القانونية التي تحكم كل توقيع وكل ختم وكل إدخال بيانات. فالخطأ البسيط في رقم وطني، أو اسم، أو تاريخ، قد يتحول إلى مشكلة إدارية أو قانونية. لذلك يبدو الموظف أحيانا حذرا أو بطيئا، لا لأنه لا يريد المساعدة، بل لأنه يعرف أن أي تجاوز للتعليمات قد يعرّضه للمساءلة، حتى إن كان هدفه تسهيل الخدمة.
ولا يرى المواطن كذلك أن الموظف الحكومي يتعامل يوميا مع عشرات الشخصيات المختلفة؛ مواطن غاضب، وآخر مستعجل، وثالث لا يحمل الأوراق المطلوبة، ورابع يظن أن رفع الصوت يختصر الطريق. وبين هؤلاء جميعا، يُطلب من الموظف أن يبقى هادئا، دقيقا، مبتسما، ومنضبطا، حتى عندما يكون تحت ضغط كبير أو يعمل بإمكانات محدودة.
من جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن المواطن له حق كامل في خدمة محترمة وسريعة وواضحة. فالوظيفة العامة ليست امتيازا، بل مسؤولية. والموظف الحكومي موجود لخدمة الناس، لا لتعقيد حياتهم. لكن الإنصاف يقتضي أن ننظر إلى المشهد كاملا؛ فبعض التأخير لا يصنعه الموظف وحده، بل تصنعه إجراءات طويلة، وأنظمة قديمة، ونقص في الكوادر، وتداخل في الصلاحيات، وضعف في التحول الرقمي أو في وضوح التعليمات.
في يوم الموظف الحكومي قصص لا تُروى: مراجع ساعده في استكمال أوراقه، كبير سن أنجز معاملته بهدوء، ملف بقي يبحث عنه بين الأقسام، ساعات إضافية لم تُحتسب، وضغط مستمر بين واجب خدمة المواطن وضرورة الالتزام الحرفي بالقانون. هذه التفاصيل الصغيرة لا تظهر في صالة الانتظار، لكنها تشكل الجانب الخفي من العمل العام.
إن تحسين العلاقة بين المواطن والموظف لا يبدأ بتبادل الاتهامات، بل بالفهم المتبادل. المواطن يحتاج إلى إجراءات أبسط ومعلومات أوضح وموظف أكثر تعاونا، والموظف يحتاج إلى بيئة عمل أفضل، وتدريب مستمر، وأنظمة حديثة، وحماية من الضغط غير المبرر، وتقدير عندما يؤدي عمله بإخلاص.
في النهاية، الموظف الحكومي ليس مجرد شخص خلف مكتب، والمواطن ليس مجرد رقم في طابور. كلاهما طرف في معادلة الخدمة العامة. وكلما اقتربنا من رؤية ما لا نراه، أصبحنا أقدر على بناء إدارة أكثر إنسانية وكفاءة، تقوم على الاحترام، والوضوح، والمسؤولية المشتركة.


د. هيثم علي حجازي
رئيس ديوان الخدمة الأسبق

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم