كُتاب سرايا 28-04-2026 07:51 AM

العموش تكتب: لماذا يحتاج التحديث السياسي إلى ترسيخ سيادة القانون؟

منذ 2 ساعة
6471
العموش تكتب: لماذا يحتاج التحديث السياسي إلى ترسيخ سيادة القانون؟

كندة محمد أحمد العموش

 

لا يمكن لأي مشروع تحديث سياسي أن يحقق أثره العميق ما لم يستند إلى قاعدة راسخة من حكم القانون. فالتحديث، في جوهره، لا يقتصر على تطوير التشريعات أو تحديث الخطاب السياسي أو إنشاء مؤسسات جديدة أو تغيير شكل التمثيل الديموقراطي، بل يرتبط قبل ذلك بمدى قدرة الدولة على بناء علاقة متوازنة بين السلطة والمجتمع، تقوم على القانون، والمساءلة، والثقة العامة.

لقد شهدت كثير من الدول محاولات متعددة للإصلاح والتحديث، بعضها حقق نتائج ملموسة، وبعضها الآخر بقي محدود الأثر. والسبب في ذلك لا يعود بالضرورة إلى غياب النوايا أو نقص التشريعات، بل إلى أن التحديث السياسي يحتاج إلى بيئة مؤسسية تجعل القانون مرجعية حاكمة للجميع، أفرادًا ومؤسسات، وتضمن أن تُدار الشؤون العامة وفق قواعد واضحة وعادلة ومستقرة.

من هنا، فإن سيادة القانون ليست مسألة قانونية فنية فحسب، بل هي شرط أساسي لبناء الدولة الحديثة. فالدولة لا تُقاس فقط بعدد القوانين التي تصدرها، بل بقدرتها على تطبيق هذه القوانين بعدالة، وبمدى خضوع المؤسسات العامة نفسها لها. فحين يشعر المواطن أن القانون يطبق بصورة متساوية، وأن المؤسسات تعمل وفق اختصاصاتها، وأن القرارات العامة تخضع لمعايير واضحة، تتعزز الثقة بين المواطن والدولة، وتصبح المشاركة السياسية أكثر جدوى وفاعلية.

وفي المقابل، فإن أي ضعف في تطبيق حكم القانون ينعكس مباشرة على مسار التحديث السياسي. فإذا بقيت المؤسسات قائمة في شكلها، لكنها لا تمتلك القدرة الكافية على العمل باستقلالية وفاعلية، أو إذا غابت آليات المساءلة الواضحة، فإن الإصلاح قد يفقد جزءًا مهمًا من أثره العملي. فالتحديث السياسي ليس مجرد إجراءات إدارية أو تعديلات شكلية، بل هو عملية متكاملة تهدف إلى تطوير طريقة الإدارة الحكومية، وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات، وتوسيع المشاركة العامة ضمن إطار قانوني منظم.

وتشير العديد من الأدبيات السياسية، ومنها ما يطرحه فرانسيس فوكوياما، إلى أن استقرار الدول الحديثة يقوم على توازن بين ثلاثة عناصر رئيسية: دولة فعالة، وسيادة قانون، ومساءلة ديمقراطية. فأي دولة تحتاج إلى مؤسسات قادرة على التنفيذ وتقديم الخدمات، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى إنفاذ القوانين التي تضبط عمل هذه المؤسسات، وإلى آليات مساءلة تضمن تصحيح الأخطاء وتجديد الثقة العامة. وعندما يختل هذا التوازن، يصبح الإصلاح أقل قدرة على تحقيق نتائجه المرجوة.

ولذلك، فإن نجاح التحديث السياسي لا يرتبط فقط بوجود خطط أو لجان أو برامج معلنة، بل بمدى تحول هذه الخطط إلى ممارسات مؤسسية يشعر بها المواطن في حياته العامة. فالمواطن لا يحكم على الإصلاح من خلال العناوين الكبرى وحدها، بل يريد أن يلمس نتائج هذا الاصلاح من خلال العدالة في تطبيق القانون، ووضوح الإجراءات، وشفافية القرار، وإمكانية المساءلة، وتكافؤ الفرص في الوصول إلى الحقوق والخدمات والمشاركة الفاعلة.

وفي النهاية، لا يمكن للتحديث السياسي أن ينجح من دون سيادة قانون حقيقية. فالقانون هو الضمانة التي تمنح الإصلاح مضمونه، وتحمي المؤسسات من الشخصنة، وتمنح المواطن الثقة بأن المشاركة ليست مجرد واجب شكلي، بل حق له قيمة وأثر ملموس. لذلك، فإن أي مسار تحديث جاد يحتاج إلى أن يجعل سيادة القانون في قلب العملية السياسية، لا بوصفه شعارًا عامًا، بل بوصفه ممارسة يومية تحكم عمل الحكومة والمجتمع معًا.

كندة محمد أحمد العموش

كلية الحقوق – جامعة الشرق الاوسط

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم