امل خضر تكتب: كيف يوازن المواطن الأردني بين كرامته المعيشية وضغط الغلاء المستمر؟

منذ 1 شهر
المشاهدات : 28965
امل خضر تكتب: كيف يوازن المواطن الأردني بين كرامته المعيشية وضغط الغلاء المستمر؟
أمل خضر

أمل خضر

من قلب الشارع حيث لا تُقاس الحياة بالأرقام فقط، بل بالصبر أيضاً
في الأردن، لم يعد الغلاء خبراً اقتصادياً يُقرأ في صفحات الجرائد، بل صار أسلوب حياة يُعاش يومياً. هنا، لا يحتاج المواطن إلى نشرات رسمية ليعرف أن الأسعار ارتفعت؛ يكفي أن يقف لدقائق أمام رفوف السوبرماركت، أو يفتح فاتورة كهرباء، أو يسأل نفسه في نهاية الشهر“وين راح الراتب؟”
المعادلة باتت قاسية دخل ثابت ونفقات تتسع بلا سقف. لكن ما هو أكثر قسوة من الأرقام، هو ذلك الشعور الخفي الذي يتسلل إلى الناس كيف يمكن أن تحافظ على كرامتك، وأنت مضطر كل يوم لتقليص أبسط احتياجاتك؟
في شوارع عمّان، وإربد، والزرقاء، لا تسمع شكوى تقليدية بقدر ما تسمع حكايات صامتة. سائق تكسي يختصر يومه الطويل بعبارة “الشغل موجود بس البركة راحت.” موظف حكومي يبتسم بمرارة وهو يقول “إحنا عايشين، بس مش مرتاحين.” وأمّ تقف أمام خيارات محدودة، تقارن بين حاجات البيت وكأنها تخوض معركة يومية، لا مجال فيها للخطأ.
الكرامة المعيشية هنا لا تعني الرفاهية، بل القدرة على تلبية الأساسيات دون شعور بالعجز. أن تدفع فواتيرك دون أن تستدين. أن تشتري ما تحتاجه دون أن تحسب كل قرش بقلق. أن تعيش، لا أن “تدبّر حالك” فقط.
لكن الواقع يفرض منطقه. المواطن الأردني لم يعد يبحث عن التوازن المثالي، بل عن أقل الخسائر. يغيّر عاداته، يقلّص مصروفه، يؤجل خططه، ويعيد تعريف “الضروري”. أشياء كانت بديهية، أصبحت ترفاً. وجلسات كانت عادية، أصبحت محسوبة. حتى الفرح صار يحتاج ميزانية.
ورغم ذلك، هناك شيء لافت في هذا المشهد قدرة الناس على التحمّل دون أن يفقدوا إنسانيتهم. لا تزال النخوة حاضرة، ولا يزال التكافل يظهر في أبسط صوره. الجار يسأل عن جاره، والعائلة تتماسك، والناس تبتكر حلولاً صغيرة لتستمر. وكأن المجتمع يعوّض ما تعجز عنه الأرقام.
لكن إلى متى يمكن لهذا التوازن الهش أن يصمد؟
السؤال لم يعد فقط اقتصادياً، بل إنساني أيضاً. لأن الضغط المستمر لا يرهق الجيوب فقط، بل يرهق النفوس. وحين يصبح القلق جزءاً من الروتين اليومي، تتغير نظرة الناس للحياة، وللمستقبل، وحتى لأنفسهم.
المواطن الأردني اليوم لا يطلب المستحيل. لا يبحث عن رفاهية مفرطة، ولا عن وعود كبيرة. ما يريده بسيط وواضح أن يشعر أن جهده يكفيه، وأن حياته ليست سباقاً دائماً مع الأسعار.
بين الكرامة والغلاء، يقف الأردني على خط رفيع. لا يسقط بسهولة، لكنه أيضاً لا يملك رفاهية التوازن الكامل. يواصل السير بثباتٍ أحياناً، وبثقلٍ كثيراً.
وربما، في هذا الصمود اليومي، تكمن القصة الحقيقية. قصة شعب لا يزال يحاول أن يعيش بكرامة حتى عندما تصبح الكرامة نفسها مكلفة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم