15-04-2026 08:25 AM
بقلم : د.م. أمجد عودة الشباطات
جاء قرار مجلس الوزراء الأردني بإنشاء أكاديمية للإدارة استجابةً لحاجة واضحة لتحديث القطاع العام، ورفع كفاءة الأداء، وتوحيد المعايير، ومعالجة الازدواجية في بناء القدرات. وهذه خطوة في الاتجاه الصحيح، تعكس إدراكًا للفجوة بين ما يُخطط له وما يُنفذ.
غير أن القيمة الحقيقية لا تكمن في إنشاء الأكاديمية بحد ذاته، بل في قدرتها على تحويل هذه التوجهات إلى نتائج ملموسة. وهو ما يتطلب بناء فهم قائم على تكامل الخبرات وتنوع التخصصات، للوصول إلى قرارات أكثر دقة واتزانًا.
انطلاقًا من ذلك، فإن بناء برامج هذه الأكاديمية لا يمكن أن يكون عامًا أو مجتزأً، بل يجب أن يقوم على تصميم متكامل يعكس طبيعة العمل الحكومي وتعقيداته. فهناك أولًا قواسم مشتركة تمثل الأساس الذي ينبغي أن يتقنه الجميع، لأنها اللغة الموحدة للإدارة الحديثة، وتشمل التفكير الاستراتيجي المرتبط بالأثر، ومنهجيات اتخاذ القرار كما تُمارس في شركات إدارة عالمية، إلى جانب تطبيقات الهندسة القيمية التي تعيد تعريف العلاقة بين التكلفة والقيمة المضافة، بما يحقق أفضل أثر ممكن بأقل تكلفة وأعلى جودة، وعلم البدائل الذي يحرر القرار من أسر الخيار الواحد، وأدوات التحليل التي تمكّن من فهم المشكلات بعمق، لا التعامل مع مظاهرها فقط.
وفي هذا الإطار، يبرز الابتكار كمتطلب أساسي لتحسين الأداء الحكومي، من خلال مقاربات عملية تناسب الواقع، مثل جوقاد (Jugaad) بوصفه نموذجًا للابتكار في بيئات محدودة الموارد يقوم على إنتاج حلول ذكية باستخدام الإمكانات المتاحة. وبالتوازي، يتطلب ذلك ترسيخ عقلية المشاريع عبر إنشاء مكاتب إدارة مشاريع فاعلة داخل الوزارات تتولى الحوكمة وتوحيد المنهجيات وربط الخطط بالمخرجات، على أن ترتبط بمكتب تحول مركزي يضمن تكامل الإجراءات وإدارة الأولويات، مع تبني إدارة التغيير كمنهج عملي داعم، بما يمكّن مجتمِعًا من تحويل مبادرات رؤية التحديث الاقتصادي إلى مشاريع قابلة للإدارة والقياس، وتسريع التنفيذ ومعالجة التعثر عند حدوثه، بالتوازي مع بناء خبرات إدارية وعلمية وقيادية وفنية قادرة على تحليل محتوى هذه الرؤية بعمق، لا التعامل معها كوثيقة نظرية، بحيث يتم تفكيك مبادراتها، وفهم فرضياتها، وقياس مدى واقعيتها، ومعالجة الخلل إن وجد، وإعادة ضبط مسارات التنفيذ عند الحاجة.
وفي المقابل، لا يمكن الاكتفاء بهذا المستوى العام، فلكل قطاع خصوصيته التي تفرض أدوات ومعارف متخصصة، وهو ما يتطلب بناء خبرات عميقة قادرة على التعامل مع تعقيدات كل مجال، دون إسقاط نماذج عامة على واقع مختلف.
ومن زاوية إدارية وقيادية أعمق، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في نقل المعرفة بحد ذاته، بل في تحويلها إلى أثر ملموس داخل المؤسسات. ومن هنا تبرز أهمية تصميم البرامج التدريبية بحيث ترتبط بشكل مباشر بالتطبيق العملي، من خلال ربط كل متدرب بمهمة أو مشروع حقيقي داخل جهة عمله، ينعكس على نتائج قابلة للقياس. كما أن الانفتاح على القطاع الخاص يعزز هذا التوجه، ليس فقط كشراكة، بل كمصدر خبرة تطبيقية يضمن أن يكون التعلم مرتبطًا بالواقع، لا منفصلًا عنه. وهذا البعد، رغم أهميته، يتطلب معالجة أعمق وتفصيلًا أوسع.
ومن المهم التأكيد على أن الأردن يمتلك أساسًا وتجربة إدارية تراكمية لا يمكن إغفالها، وفيها جوانب قوة حقيقية يمكن البناء عليها. كما أن هناك تجارب إدارية في المنطقة من حولنا، حققت نجاحات ملموسة، وأخرى واجهت تحديات وإخفاقات، وكلها تمثل مادة غنية للدراسة والتحليل. الاستفادة من هذه التجارب لا تعني نسخها، بل فهم سياقاتها، واستخلاص الدروس منها، ثم إعادة تصميم منهجية إدارية تناسب الواقع الأردني، مستندة إلى أفضل الممارسات العالمية، ولكن على أيدي خبراء مارسوا هذه التجارب فعليًا، لا من خلال نقلٍ نظري مجرد.
في المجمل، تُعد هذه الخطوة مهمة وفي الاتجاه الصحيح، وتستحق الإشادة، مع الأمل بأن يتم تنفيذها بالعمق والجودة التي توازي طموحها، لتُحدث الأثر الحقيقي المنشود في تطوير الإدارة العامة.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
15-04-2026 08:25 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||