12-04-2026 11:30 AM
بقلم : علي محمد الدراوشة
لم يعد الحديث عن حالات الانتحار في الأردن ترفًا فكريًا أو نقاشًا عابرًا ، بل أصبح ضرورة وطنية مُلحه تُفرض نفسها مع كل حادثة جديدة تهزّ ضمير المجتمع وكيانه.
فاليوم، لا نتحدث عن أرقامٍ عابره فحسب، بل عن أرواحٍ أنهكها الصمت والخذلان، وأشخاصٍ وصلوا إلى لحظةٍ رأوا فيها أن التخلص من الحياة أقلُ ألمًا من البقاء فيها.
وفي هذا الصدد لا بد أن نطرح سؤال نواجهه بكل صدق :هل المشكلة فيهم ... أم فينا ؟؟؟
ففي الآونة الأخيرة، تكررت مشاهد مؤلمة لشبابٍ بعمر الزهور أنهوا حياتهم بطرقٍ صادمة،
إذ تشير الإحصائيات في الأردن إلى تسجيل ما يقارب 160 إلى 166 حالة انتحار سنويًا في السنوات الأخيرة، مع تركزها بين الفئة العمرية 19 إلى 34 عامًا، وارتفاع نسبتها بين الذكور.
كما تؤكد البيانات أن ما يظهر في الأرقام لا يعكس حجم المعاناة الحقيقي، إذ تبقى محاولات الانتحار والاضطرابات النفسية غير المُعلنة أكبر بكثير من الحالات المُعلنة ، مما يجعل الظاهرة أعمق من مجرد إحصاءات.
وإذا أردنا أن نجيب بحقيقة ... فالحقيقة قد لا تعجب الكثيرين لأن الانتحار ليس فعلًا فرديًا معزولًا، بل هو انعكاس لخللٍ متجذر في البنية الاجتماعية والنفسية والاقتصادية.
فحين يعيش الإنسان تحت ضغطٍ مستمر دون متنفس، وحين يُحاصر بالفشل دون أمل يُنعشهُ ، وحين يُجبر على الصمت ويكبتُ في قلبه خوفًا من نظرة المجتمع القاسية… فإنه في لحظةٍ ما قد ينهار، ففي عصرنا هذا نحن من خلقنا بيئةً تُجيد إصدار الأحكام ، لكنها تفتقر إلى أبسط معاني الاحتواء.
نُحمّل الشاب فوق طاقته، فنطالبه... بالنجاح والصبر والتحمّل، لكننا لا نمنحه الأدوات التي تُعينه على ذلك، ونُربّيه على كبت مشاعره، وعلى اعتبار الألم ضعفًا، ثم نستغرب حين ينفجر هذا الألم بشكلٍ مأساوي.
والأخطر من ذلك، أن وصمة المرض النفسي ما زالت تسيطر على عقول الكثيرين لا سيما أن زيارة الطبيب النفسي أصبحت تُفسَّر كعار، وأصبح الحديث عن الاكتئاب يُقابل بالاستهزاء أو السخرية.
إن ما نشهده اليوم هو نتيجة طبيعية لتراكمات طويلة من الإهمال والتقصير ، سواء على مستوى السياسات أو الثقافة المجتمعية السائدة، فالدعم النفسي في المدارس والجامعات يكادُ يكون غائبًا، والضغوط الاقتصادية تزداد قسوةٍ، ومساحات الأمان التي يُفترض أن يجد فيها الإنسان نفسه أصبحت مفقودة.
ولا بد من القول بوضوح: إن تجاهل هذه الظاهرة لن يُلغيها، بل سيُفاقمها.
فالمعالجة تبدأ بالاعتراف، ثم بالفعل.
فاليوم نعترف ونقولها بكل وضوح أننا أمام مُعضلة وظاهرة نشأت عن أسباب كثيرة، وأما عن الفعل فلا بد لنا أن نقف سويًا لنبني حجر الأساس لخطةٍ متكاملة لهذة القضية تتمثل بِتعزيز دور الصحة النفسية وجعلها جزءًا أساسيًا من الرعاية في المدارس والجامعات والمراكز الصحية، وتوفير مرشدين نفسيين مؤهلين قادرين على التعامل مع الحالات مبكرًا، كما يجب إطلاق حملات توعوية مستمرة لكسر وصمة العلاج النفسي ، إضافة إلى توفير خطوط دعم مجانية وسرية تعمل على مدار الساعة، كما ينبغي على الإعلام الالتزام بنشر محتوى هادف ومسؤول يركز على الوقاية والحلول بدل الإثارة.
اليوم ....نحن بحاجة إلى مجتمع يسمع قبل أن يحكم، ويحتوي قبل أن يُدين.
فإنقاذ إنسان من الانهيار الذي قد يوصله للانتحار لا يتطلب معجزات، بل يتطلب إنسانية ورحمة.
في النهاية، لعل أخطر ما في الأمر أن كثيرًا ممن أنهوا حياتهم لم يكونوا يريدون الموت بقدر ما كانوا يريدون الخلاص من ألمٍ لم يجدوا له مخرجًا.
فهل ننتظر المزيد من الخسارات… أم نبدأ بمواجهة الحقيقة؟
علي دراوشه
١٢-نيسان
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
12-04-2026 11:30 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||