حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,12 أبريل, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 5819

نصراوين يكتب: فلسفة الأعيان في تعديل قانون التأمين

نصراوين يكتب: فلسفة الأعيان في تعديل قانون التأمين

نصراوين يكتب: فلسفة الأعيان في تعديل قانون التأمين

12-04-2026 09:13 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : أ. د. ليث كمال نصراوين
أقر مجلس الأعيان قبل أيام مشروع قانون عقود التأمين الجديد كما ورد إليه من مجلس النواب، بعد أن أدخل عليه تعديلا جوهريا طال المادة (99) منه، وهي المادة التي تفرض عقوبات على جريمة شراء الحقوق الناشئة عن عقود التأمين للمركبات، أو ما يعرف اصطلاحا بـ"الكروكة". فقد عمِد مجلس الأعيان إلى تخفيض الغرامة المالية التي كان مجلس النواب قد أقرها، والتي تراوحت بين 10 آلاف و50 ألف دينار، لتصبح بين 3 آلاف و30 ألف دينار، في حين قام برفع الحد الأدنى لعقوبة الحبس من ثلاثة أشهر كما صوّت عليها مجلس النواب لتصبح ستة أشهر.
إن هذا التوجه التشريعي الذي انتهجه مجلس الأعيان، والذي جمع بين التخفيف في جانب الغرامة المالية والتشديد في جانب العقوبة السالبة للحرية، يثير تساؤلات مشروعة حول مغزاه، ومدى انسجامه مع الدور الدستوري المنوط بالمجلس، بوصفه مجلس حكماء يضم خبرات وطنية تحظى بثقة عامة، ويعوّل عليه في إعادة النظر في النصوص التشريعية بعيدا عن الانفعال، وبمنطق يقوم على تحقيق التوازن الاجتماعي والاقتصادي.

وفي هذا السياق، ومن خلال قراءة فقهية متأنية للتعديل الذي أقره مجلس الأعيان، يمكن القول إنه جاء منسجما مع طبيعة الجريمة محل التجريم. فشراء الحقوق الناشئة عن عقود التأمين، رغم ما قد ينطوي عليه من تحايل أو استغلال، يظل في جوهره سلوكا جرميا ذا طبيعة مالية، وأقرب إلى السعي لتحقيق ربح غير مشروع منه إلى كونه من الجرائم التي تمس الأمن الوطني أو السلامة العامة. ومن ثم، فإن المغالاة في فرض العقوبات المالية قد لا تكون متناسبة مع طبيعة هذا الفعل.

وانطلاقا من ذلك، فإن تخفيض قيمة الغرامة المالية التي فرضها مجلس النواب يمكن النظر إليه في إطار تحقيق مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة. فالغرامات المرتفعة جدا قد تفقد فعاليتها العملية، سواء بسبب صعوبة تحصيلها من المحكوم عليهم أو بسبب دفعهم إلى التهرب منها، في حين أن العقوبة المالية المعقولة، القابلة للتنفيذ، تكون أكثر قدرة على تحقيق الردع العام والخاص.

وفي المقابل، فإن رفع الحد الأدنى لعقوبة الحبس إلى ستة أشهر يعكس توجها واضحا نحو تعزيز الردع الجزائي الفعلي، لا الشكلي. فالعقوبات السالبة للحرية، حتى في ظل إمكانية استبدالها أحيانا، تبقى أكثر أثرا في مواجهة السلوكات التي تتخذ طابعا منظما وتمس استقرار المعاملات المدنية والتجارية.

وعلى صعيد أوسع، فإن هذا التعديل يبعث برسالة تشريعية مهمة ينبغي استحضارها مستقبلا، قوامها ضرورة التمييز بين السياسات الجزائية وفقا لاختلاف طبيعة الجرائم. فإذا كان قانون الجرائم الإلكترونية النافذ قد تضمن تشديدا ملحوظا في الغرامات المالية باعتبارها أداة ردع رئيسية، فإنه لا يستقيم، من الناحية القانونية أو المنطقية، القياس بين الجرائم المرتبطة بعقود التأمين وبين الجرائم الإلكترونية، التي غالبا ما ينظر إليها باعتبارها تمس أمن الدولة أو السلم المجتمعي أو الثقة العامة، وهو ما يبرر تبني سياسة عقابية أكثر صرامة في مواجهتها.

أما جرائم "الكروكة"، وعلى الرغم من عدم مشروعيتها، فإنها تندرج ضمن نطاق جرمي مختلف من حيث درجة الخطورة. فهي تمس في الأساس قطاع التأمين ومصالح الشركات العاملة فيه، لكنها لا ترقى في آثارها إلى مستوى التهديد الذي تمثله الجرائم الإلكترونية على الأمن القومي أو النظام العام. ومن ثم، فإن هذا التمييز في المعاملة الجزائية يعكس وعيا تشريعيا لدى مجلس الأعيان بالفروق الجوهرية بين أنواع الجرائم، وابتعادا عن نهج التعميم في التشدد العقابي.

ومن جانب آخر، فإن من التعديلات التي أقرها مجلس الأعيان، مخالفا بذلك مجلس النواب، ما يتعلق بالمدة الزمنية الممنوحة لإنهاء عقد التأمين في حال تخلف المؤمن له عن سداد الأقساط، حيث أصبحت ستين يوما من تاريخ التبليغ بدلا من ثلاثين يوما. ويأتي هذا التوجه منسجما مع الفلسفة التشريعية التي يتبناها المجلس، والتي تنظر إلى عقد التأمين بوصفه من العقود التجارية التي تكون فيها شركة التأمين في مركز اقتصادي أقوى من المؤمن له، الأمر الذي يبرر توفير حماية تشريعية لهذا الأخير من خلال منحه مهلة أطول للوفاء بالتزاماته قبل ترتيب أثر إنهاء العقد.

وخلاصة القول، إن التعديلات التي أقرها مجلس الأعيان على مشروع قانون عقود التأمين، والتي خالف فيها مجلس النواب، تؤكد نجاعة النموذج الدستوري الأردني القائم على الثنائية التشريعية. فمجلس الأعيان، بوصفه مجلسا معينا بإرادة ملكية، يؤدي دورا تكامليا مع مجلس النواب، ويضطلع بمهمة إعادة التوازن للنصوص التشريعية كلما اقتضت الحاجة ذلك.

ومن هنا، فإن الحفاظ على تشكيلته الحالية واستقلاله عن التجاذبات السياسية يظل ضرورة لضمان بقائه صمام أمان للعملية التشريعية، والحارس على تحقيق التوازن الدقيق بين مقتضيات الردع ومتطلبات العدالة، وهو الدور الذي ينسجم مع طبيعته كمجلس خبرة وحكمة.

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية

laith@lawyer.com











طباعة
  • المشاهدات: 5819
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
12-04-2026 09:13 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. هل تنجح الضربات الأمريكية والإسرائيلية على منشآت الطاقة في إيران بإسقاط النظام أو التعجيل باستسلامه؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم