12-04-2026 08:06 AM
سرايا - ذكرت معلمة قضت أكثر من ثلاثة عقود في تربية الأجيال، كلمات مؤثرة لخصت فيها فجوة عميقة بين القوانين الصارمة والواقع الإنساني المرير الذي يعيشه الكادر التعليمي في سنوات العطاء الأخيرة.
وقالت المعلمة إنها استقبلت مشرفة تربوية في حصتها الصفية، لتفاجأ بعد انتهائها بهجوم ونقد لاذع طال أدائها المهني بحجة تقدمها في السن، حيث استدعتها المشرفة لمكتب المديرة لتبدي استياءها من قلة حركتها وعدم استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة.
وتاليا ما نشرته المعلمة:
ذكريات معلمة
أنا معلمة قضيت ٣٣ سنة من عمري بهالمهنة، وبيوم من الأيام إجتني زيارة من مشرفة تربوية.
حضرت المشرفة الحصة معي، وبعد ما خلصنا، طلعت مش راضية عن أدائي "كمعلمة كبيرة بالسن"، وطلبت تحكي معي عالسريع بمكتب المديرة. كانت معصبة وما قدرت تخبي زعلها، وقالتلي:
– أستاذة (فلانة)! كنت متوقعة أشوف درس مثالي منك، خصوصاً مع خبرتك الطويلة وكفاءتك اللي دايمًا نضرب فيها المثل. بس بصراحة، خيّبتي أملي.
نظرتلها وقلت:
– طيب ستي المشرفة، شو كان لازم أعمل؟
قالتلي:
– أولاً، بلومك على جلوسك أغلب الوقت، وقلة حركتك. ما كتبتي كثير عالسبورة، اكتفيتي بإملاء الطلاب كم جملة، وطلبتي منهم يقروا. وما استخدمتي وسائل تكنولوجية كفاية، ولا تحركتي بين الطالبات.
سكتّ شوي، وقلت بهدوء:
– أنا فوق الـ ٥٥، وبلشت أعلّم بمدارس بعيدة عن مكان سكني، كنت كل يوم أركب ٣ مواصلات، وأمشي ٢ كيلو عرجلي. ما كان فيه وسيلة نقل توصل للمدرسة. كنت بوقتها شابة وأتحمل البرد، مع إنه المدرسة ما فيها تدفئة. كنت ألبس كل ملابسي عشان أظل واقفة. كل هالتعب جابلي "روماتيزم" مزمن، ضرب مفاصلي، واستقر بظهري وركبتي، وصرت أتوجع وأنا بمشي أو بوقف. ومع تقدّم العمر، تقرّحت أجري، وصار التنقّل عبء علي. كنت أكتب عالسبورة بالساعات، وقدّمت طلب تقاعد مبكر لأسباب صحية، بس رفضوا طلبي، ما اقتنعوا بالتقرير.
– ستي، بتلوميني إني نسيت عنصر من عناصر الدرس؟! أنا اليوم الصبح نسيت مفاتيحي، ونسيت موبايلي، ونسيت آخد دوا الضغط، والسكر، والقلب. والسبب؟ الزهايمر صار يلوّحلي من بعيد بسبب تعب هالمهنة اللي أكلت من عمري وصحتي.
– أنا بدرس بـصف فيه ٥٠ طالبة، قاعدين على مقاعد ملزقة ببعض، بالصف أقرب لزنزانة منه لغرفة صفية. بدك أتنقّل بينهم كل شوي؟!
– وبتحكي عن الوسائل التكنولوجية؟! بأي مدرسة؟! الصف مظلم، ما فيه لمبة، ولا شباك ينفتح، ولا باب ينسكر، وأحيانًا حتى المقاعد مش كاملة.
– زيارتك إلي زعلتك مني مهنياً، بس أنا زعلت منك إنسانياً. شفتي القوانين والأنظمة، بس ما شفتي الضمير والظروف. إجيتِ تكتبي عني تقرير، بس ما فكرتي تجيبي لي شي أحتاجه، أو تساعديني أظل واقفة بكرامتي قدام طالباتي.
– أنا إنسانة عم أجمع أغراضي، وأستعد أترك هالمهنة بأضرار جسدية ونفسية. كان المفروض تيجي تواسيني، لا تعاتبيني. تكرميني، لا تحاسبيني. تدوري لي ألف عذر، قبل ما تلوميني. الجندية اللي بنرمي فيها وسط المعركة بدون سلاح ولا زاد، وبتظل صامدة، لازم تكرم، مش تتوبخ.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
12-04-2026 08:06 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||