حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الثلاثاء ,7 أبريل, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 6993

اللواء الركن م. طلال الغبين يكتب:الأردن في شرق أوسط يتجاوز الجغرافيا

اللواء الركن م. طلال الغبين يكتب:الأردن في شرق أوسط يتجاوز الجغرافيا

اللواء الركن م. طلال الغبين يكتب:الأردن في شرق أوسط يتجاوز الجغرافيا

06-04-2026 09:39 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : اللواء الركن م/ طلال الغبين

لم تكن الجغرافيا في الحالة الأردنية مجرد موقع، بل كانت دائماً مصدر قوة. فالأردن، بحكم موقعه في قلب الإقليم، لم يكن يوماً دولة هامشية، بل نقطة ارتكاز في معادلات الأمن والسياسة والتوازنات. من يفهم الأردن وموقعه يفهم لماذا بقي ثابتاً رغم ما مرّ حوله من حروب وتحولات.

لكن المشهد اليوم تغيّر. الجغرافيا وحدها لم تعد تكفي، ولم تعد الحدود تمنح الأمان كما في السابق، في ظل مخاطر جديدة لا تعترف بالمكان ولا تتوقف عند الحواجز. فالدول قد تُستهدف من خارج حدودها، عبر الطائرات المسيّرة، والهجمات السيبرانية، والضغط الاقتصادي، واستهداف البنية التحتية، دون حرب تقليدية. وهذا لا يعني أن الجغرافيا فقدت قيمتها، لكنها لم تعد كافية، وأصبحت الدولة مطالبة بحماية ما هو أبعد من حدودها: أجواؤها، اقتصادها، فضاؤها السيبراني، وقدرتها على منع ارتدادات الأزمات من الوصول إلى الداخل.

وقد أثبتت تطورات المنطقة ذلك بوضوح. فعبور الطائرات المسيّرة والصواريخ فوق أكثر من ساحة، جعل دولاً خارج الصراع جزءاً منه، دون أن تكون طرفاً فيه، وهذا واقع جديد لا يمكن تجاهله. ولم يعد الأمن الوطني يُقاس فقط بضبط الحدود، بل بقدرة الدولة على حماية مجالها بالكامل، فالدول القادرة على البقاء ليست فقط من تملك جيوشاً قوية، بل من تملك قدرة أعلى على الاستباق، وسرعة القرار، وتكامل أدوات الحماية.

وفي الحالة الأردنية، تزداد أهمية هذا الأمر، فالمملكة تتحرك في بيئة مفتوحة على احتمالات متعددة؛ من سوريا والعراق إلى فلسطين والخليج، وأي تغير في الإقليم ينعكس مباشرة على الأردن، أمنياً واقتصادياً وسياسياً. كما أن تغير موازين القوى يفرض واقعاً جديداً: أدوار مختلفة، وتحالفات أكثر مرونة، وتراجع في قدرة بعض الدول على ضبط الإيقاع، ما يتطلب من الأردن الحفاظ على توازنه، والمناورة بذكاء، وعدم الارتهان لأي محور، مع تعزيز شراكاته بما يخدم مصالحه.

ولهذا، لم تعد الأولوية في زيادة الإنفاق الدفاعي وحدها، بل في توجيهه بذكاء، كما أن الأمن الاقتصادي لم يعد منفصلاً عن الأمن الوطني، بل جزء منه، لأن الاعتماد على مصادر طاقة أو إمداد غير مستقرة قد يتحول سريعاً إلى نقطة ضعف. وقد أثبتت أزمات المنطقة أن أي تصعيد أو اضطراب قد ينعكس مباشرة على الطاقة والتجارة وسلاسل التوريد، وهو ما يجعل تنويع المصادر، وتعزيز البدائل المحلية، ورفع الجاهزية خياراً ضرورياً لا ترفاً.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الاعتماد على الذات، ليس بمعنى الانعزال، بل بناء قدرة داخلية على الصمود، فالدولة التي تملك بدائل وخيارات، أقل عرضة للضغط وأكثر قدرة على الاستمرار. كما أن البنية التحتية والخدمات لم تعد خارج معادلة الأمن، لأن أي استهداف لها قد يربك الدولة ويضعف قدرتها على التعامل مع الأزمات، ما يتطلب حماية متكاملة تربط الأمن العسكري بالاقتصادي والسيبراني والخدماتي.

ولهذا، فإن إعادة هيكلة القوات المسلحة ليست خياراً تنظيمياً، بل ضرورة تفرضها طبيعة الصراع، حيث لم تعد القوة بالحجم فقط، بل بالقدرة على التحرك السريع، ودقة المعلومات، والجاهزية لحماية العمق الوطني. وفي هذه البيئة، لا يمكن الفصل بين الأمن والاقتصاد، لأن أي أزمة في الطاقة أو المياه أو الغذاء قد تتحول سريعاً إلى تهديد مباشر، ولم تعد القوة تقاس فقط بالسلاح، بل بالقدرة على الصمود، واستمرار الخدمات، وامتصاص الصدمات.

ولهذا، لا يحتاج الأردن إلى سباق تسلح مكلف، بقدر ما يحتاج إلى "ردع ذكي": دفاع جوي فعّال، أمن سيبراني، حماية للبنية التحتية، وسرعة في الاستجابة، دون استنزاف الموارد.

الجغرافيا ما تزال مهمة، لكنها لم تعد كافية. الشرق الأوسط اليوم لا تُحسم فيه التهديدات عند الحدود، بل في القدرة على التعامل مع ما يتجاوزها.

وفي هذا الواقع، لن يكون الأكثر أمناً من يملك أكبر جيش فقط، بل من يملك دولة أكثر صلابة، وأسرع استجابة، وأكثر قدرة على حماية مصالحه.








طباعة
  • المشاهدات: 6993
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
06-04-2026 09:39 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. هل تنجح الضربات الأمريكية والإسرائيلية على منشآت الطاقة في إيران بإسقاط النظام أو التعجيل باستسلامه؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم