لم تكن الجغرافيا في الحالة الأردنية مجرد موقع، بل كانت دائماً مصدر قوة. فالأردن، بحكم موقعه في قلب الإقليم، لم يكن يوماً دولة هامشية، بل نقطة ارتكاز في معادلات الأمن والسياسة والتوازنات. من يفهم الأردن وموقعه يفهم لماذا بقي ثابتاً رغم ما مرّ حوله من حروب وتحولات.
لكن المشهد اليوم تغيّر. الجغرافيا وحدها لم تعد تكفي، ولم تعد الحدود تمنح الأمان كما في السابق، في ظل مخاطر جديدة لا تعترف بالمكان ولا تتوقف عند الحواجز. فالدول قد تُستهدف من خارج حدودها، عبر الطائرات المسيّرة، والهجمات السيبرانية، والضغط الاقتصادي، واستهداف البنية التحتية، دون حرب تقليدية. وهذا لا يعني أن الجغرافيا فقدت قيمتها، لكنها لم تعد كافية، وأصبحت الدولة مطالبة بحماية ما هو أبعد من حدودها: أجواؤها، اقتصادها، فضاؤها السيبراني، وقدرتها على منع ارتدادات الأزمات من الوصول إلى الداخل.
وقد أثبتت تطورات المنطقة ذلك بوضوح. فعبور الطائرات المسيّرة والصواريخ فوق أكثر من ساحة، جعل دولاً خارج الصراع جزءاً منه، دون أن تكون طرفاً فيه، وهذا واقع جديد لا يمكن تجاهله. ولم يعد الأمن الوطني يُقاس فقط بضبط الحدود، بل بقدرة الدولة على حماية مجالها بالكامل، فالدول القادرة على البقاء ليست فقط من تملك جيوشاً قوية، بل من تملك قدرة أعلى على الاستباق، وسرعة القرار، وتكامل أدوات الحماية.
وفي الحالة الأردنية، تزداد أهمية هذا الأمر، فالمملكة تتحرك في بيئة مفتوحة على احتمالات متعددة؛ من سوريا والعراق إلى فلسطين والخليج، وأي تغير في الإقليم ينعكس مباشرة على الأردن، أمنياً واقتصادياً وسياسياً. كما أن تغير موازين القوى يفرض واقعاً جديداً: أدوار مختلفة، وتحالفات أكثر مرونة، وتراجع في قدرة بعض الدول على ضبط الإيقاع، ما يتطلب من الأردن الحفاظ على توازنه، والمناورة بذكاء، وعدم الارتهان لأي محور، مع تعزيز شراكاته بما يخدم مصالحه.
ولهذا، لم تعد الأولوية في زيادة الإنفاق الدفاعي وحدها، بل في توجيهه بذكاء، كما أن الأمن الاقتصادي لم يعد منفصلاً عن الأمن الوطني، بل جزء منه، لأن الاعتماد على مصادر طاقة أو إمداد غير مستقرة قد يتحول سريعاً إلى نقطة ضعف. وقد أثبتت أزمات المنطقة أن أي تصعيد أو اضطراب قد ينعكس مباشرة على الطاقة والتجارة وسلاسل التوريد، وهو ما يجعل تنويع المصادر، وتعزيز البدائل المحلية، ورفع الجاهزية خياراً ضرورياً لا ترفاً.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الاعتماد على الذات، ليس بمعنى الانعزال، بل بناء قدرة داخلية على الصمود، فالدولة التي تملك بدائل وخيارات، أقل عرضة للضغط وأكثر قدرة على الاستمرار. كما أن البنية التحتية والخدمات لم تعد خارج معادلة الأمن، لأن أي استهداف لها قد يربك الدولة ويضعف قدرتها على التعامل مع الأزمات، ما يتطلب حماية متكاملة تربط الأمن العسكري بالاقتصادي والسيبراني والخدماتي.
ولهذا، فإن إعادة هيكلة القوات المسلحة ليست خياراً تنظيمياً، بل ضرورة تفرضها طبيعة الصراع، حيث لم تعد القوة بالحجم فقط، بل بالقدرة على التحرك السريع، ودقة المعلومات، والجاهزية لحماية العمق الوطني. وفي هذه البيئة، لا يمكن الفصل بين الأمن والاقتصاد، لأن أي أزمة في الطاقة أو المياه أو الغذاء قد تتحول سريعاً إلى تهديد مباشر، ولم تعد القوة تقاس فقط بالسلاح، بل بالقدرة على الصمود، واستمرار الخدمات، وامتصاص الصدمات.
ولهذا، لا يحتاج الأردن إلى سباق تسلح مكلف، بقدر ما يحتاج إلى "ردع ذكي": دفاع جوي فعّال، أمن سيبراني، حماية للبنية التحتية، وسرعة في الاستجابة، دون استنزاف الموارد.
الجغرافيا ما تزال مهمة، لكنها لم تعد كافية. الشرق الأوسط اليوم لا تُحسم فيه التهديدات عند الحدود، بل في القدرة على التعامل مع ما يتجاوزها.
وفي هذا الواقع، لن يكون الأكثر أمناً من يملك أكبر جيش فقط، بل من يملك دولة أكثر صلابة، وأسرع استجابة، وأكثر قدرة على حماية مصالحه.
اللواء الركن م. طلال الغبين يكتب:الأردن في شرق أوسط يتجاوز الجغرافيا
منذ 7 شهور
المشاهدات :
21633
اللواء الركن م/ طلال الغبين
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
04
05
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
المستشار عز الدين أبو رمان يكتب: من الإعفاء من الضريبة الى الاخضاع للضريبة مجددًا .. تخبّط القرارات الضريبية يهدد الثقة بالاستثمار
منذ 17 ساعة
كُتاب سرايا
مديــر الإعلام العسكـري العميد الركن محمد علي مهيدات يكتب: سوفكس 2026: توطين التكنولوجيا الدفاعية في عصر الحروب الذكية
منذ 18 ساعة
كُتاب سرايا
أبو رمان يكتب: من الإعفاء من الضريبة الى الاخضاع للضريبة مجددًا .. تخبّط القرارات الضريبية يهدد الثقة بالاستثمار
منذ 22 ساعة
كُتاب سرايا
السلامين يكتب: أخ مسيحي تنازل عن مركبة لابنتي دون استلام ثمنها ليضرب أروع قيم الثقة في الأردن
منذ 23 ساعة
كُتاب سرايا
د. علي أحمد الرحامنة يكتب: عوض ومطعم الأشرار (8) .. نقابة الأطباء
منذ 1 يوم
أخبار فنية
فن
بسبب تجمعات شبابية أمام منزلها .. فنانة مصرية تستغيث بالشرطة
منذ 3 دقائق
فن
بعيدًا عن الكوميديا .. أحمد حلمي يفاجئ جمهوره في "حدوتة"
منذ 1 ساعة
فن
آيتن عامر تعتذر لشيماء سيف .. والأخيرة تعلق
منذ 3 ساعات
فن
مقتنيات عبدالله السدحان و"طاش ما طاش" في الأرشيف الوطني للأفلام
منذ 3 ساعات
فن
نجوى إبراهيم تنتقد إطلالات الفنانات .. وأشرف زكي يدافع
منذ 11 ساعة
أخبار رياضية
رياضة
البرتغال والمغرب يستضيفان رالي دكار 2027 بعد نقله من السعودية
منذ 1 ساعة
رياضة
80 مليون يورو .. باريس سان جيرمان ينافس تشيلسي على نجم برشلونة
منذ 1 ساعة
رياضة
بعد اعتذاره .. رئيس الاتحاد الفرنسي يدعو إلى إنهاء أزمة مبابي مع الصين
منذ 1 ساعة
رياضة
طواقم تحكيم أردنية حاضرة في دوري أبطال آسيا للنخبة وآسيا 2
منذ 2 ساعة
رياضة
الهلال يعلن تفاصيل إصابة مارتينيلي ومدة غيابه
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
ربطوه بشجرة وعذبوه .. لماذا انتقم المزارعون من لص مغربي؟
منذ 11 ساعة
منوعات من العالم
فرحة هيستيرية لطفلة مصرية أمام حاكم دبي بعد فوزها
منذ 12 ساعة
منوعات من العالم
قتل والتهم العشرات على مدار 15 عاما .. اعتقال قاتل متسلسل وآكل للحوم البشر في أوغندا
منذ 12 ساعة
منوعات من العالم
اختراق لوحة إعلانية وبث مشاهد إباحية يثير الجدل في مصر
منذ 12 ساعة
منوعات من العالم
مقلب "الموظف الخفي" .. محكمة بريطانية تنصف عاملًا تعرض للإهانة
منذ 13 ساعة
الرجاء الانتظار ...
التعليقات