سرايا - «دردشة ثقافية»، فسحة نتجوّل من خلالها في المختبر الإبداعي لكوكبة من المبدعات والمبدعين الأردنيين والعرب. نستحضر عبرها ثلاثة من أبرز الأسئلة المرتبطة بالكتابة وشجونها: لماذا نكتب؟ ولِمن نكتب؟ ومتى نكتب؟ قبل أن ننفتح على فضاءات أوسع في الفكر والأدب والإبداع، بما يحمله من أسئلة اجتماعية وسياسية.
في هذه الدردشة، نستضيف الأديبة منال العبادي، عضو رابطة الكتّاب الأردنيين، والباحثة في قضايا الأدب الحداثي ونقده، والذكاء الاصطناعي والرقمنة الأدبية.
بدايةً، لو طُلب منكِ أن تعرّفي نفسكِ بعيدًا عن الألقاب والإنجازات، كيف تقدّمين ذاتك؟
- أميل إلى تعريف نفسي بوصفها حالة وجود، لا سلسلة أفعال. لا أقول «أنا أفعل»، بل «أنا أكون». أرى المناصب والصفات الرسمية مجرد أثواب مؤقتة ترتديها الروح على خشبة الحياة، فيما يبقى الجوهر هو الوعي، والقدرة على الحب، والمعاناة، والأمل، والتأمل وهي قواسم إنسانية مشتركة.
هل ما زلتِ تؤمنين بأن الكتابة فعل ضرورة، أم تحوّلت إلى عادة أو مهنة أو وسيلة للبقاء؟
- لا أرى الكتابة انتقالًا حادًا من ضرورة إلى مهنة، بل نسيجًا مركّبًا. تبدأ كنداء داخلي، ثم تُصقل بالعادة والانضباط، وقد تلامس المهنة بحدودها. لكنها، في لحظاتها الأعمق، تظل وسيلة للبقاء، معنويًا وربما ماديًا. ما يمنحها قيمتها هو احتفاظها بشرارة الضرورة الأولى؛ فحين تنطفئ، تتحول إلى مجرد تمرين فارغ مهما بلغت براعتها.
لماذا تكتبين؟ ولِمَن؟ ومتى تبلغين ذروة الصدق في الكتابة؟
- أكتب لأن داخلي مزدحم بحوارات تحتاج إلى هواء. أكتب لأفهم العالم ونفسي، ولأن الكلمات تمنحني قدرة مؤقتة على ترميم ما يتكسر في الواقع.
أكتب لنفسي أولًا، بوصفها فعل وجود، ثم لذلك القارئ المجهول الذي قد يجد في النص صدىً لروحه أو نافذة لوعيه.
أما لحظة الصدق، فتتجلى في «الهدوء المشحون»: حين يسود الصمت خارجيًا، ويضج الداخل بالأصوات. في المساحات الفاصلة بين حالتين: بين ليل ونهار، بين عزلة ولقاء، بين فرح وحزن. هناك، تأتي الكلمات كنسمة خفيفة، لكنها تغيّر الطقس كله.
إلى أي حدّ يحضر المكان الأردني في كتابتك كتجربة حيّة؟
- المكان في نصوصي ليس خلفية، بل كائن حيّ. لا يكفي وصف الجغرافيا، بل التقاط نبضها: رائحة الزعتر بعد المطر، حرارة الحجر، ثقل الصمت. هذه التفاصيل تصنع الذاكرة.
المكان شريك في السرد، لا شاهد محايد. جبل القلعة، مثلًا، لا يقف صامتًا؛ بل يحمل همس الحضارات، ويشارك الشخصيات أفراحها وانكساراتها، كأنه يمتلك رأيًا يُقال بالصمت أو بالعاصفة.
هل تخشين الوقوع في فخ التكرار الذاتي؟ وكيف تواجهينه؟
- نعم، وهو قلق مشروع. ليس الخوف من التكرار بحد ذاته، بل من التحول إلى منطقة مريحة مغلقة تفقد قدرتها على الدهشة.
أتعامل مع هذا القلق كجهاز إنذار، يدفعني للمراجعة. أعود إلى نصوصي بعين القارئ، وأسأل: هل هذا جديد فعلًا؟ أم نسخة محسّنة من سابقه؟ هل اخترت الحل الأسهل لأنه آمن، أم لأنه الأنسب؟ هذه المسافة النقدية ضرورة للاستمرار.
في زمن الذكاء الاصطناعي، ما الذي يبقى عصيًّا على الاستنساخ؟
- ما لا يُستنسخ هو التجربة الإنسانية الأصيلة: الإحساس الفردي بالألم والفرح، الذاكرة، الوعي بالزمن، بالعلاقات، بالموت.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحاكي، لكنه لا يختبر. يفتقر إلى الوعي الوجودي والتاريخ الشخصي، ويبقى، في جوهره، إعادة تركيب لنصوص عبر خوارزميات، لا معايشة حقيقية للحياة.
هل نعيش أزمة كتابة أم قراءة أم أزمة معنى؟
- نحن أمام أزمة معنى شاملة. تسارع تدفق المعلومات حوّل القراءة إلى تصفّح، وأضعف القدرة على التركيز. وفي المقابل، صارت الكتابة في كثير من الأحيان استجابة فورية أو سعيًا للانتباه، لا فعل تأمل.
رغم اتساع فرص النشر، تبقى «الضوضاء» عالية والجودة نادرة. الكمّ يطغى على العمق، والسرعة على التأمل، ما يجعل الكتابة والقراءة معًا محكومتين بمنظومة قيم تهمّش البطء والتفكير العميق.
ما المشروع الذي تعملين عليه حاليًا؟ وما مخاطرتك الجمالية فيه؟
- أعمل على رواية في طور التدقيق، تتوغّل في أعماق بطلها، وتعرض أزماته دون تجميل أو تنظير. أشتغل عليها بأسلوب ما بعد حداثي، يشتبك مع العبث والرمزية، ويحاول كسر التابوهات، بوصف ذلك مغامرة جمالية وفكرية.
ما أبرز انشغالاتك الإبداعية الراهنة؟
- أسعى إلى ترك أثر نقدي وإبداعي في المشهد الأردني والعربي. أؤمن أن الكاتب الأردني بحاجة إلى نقد يضيء تجربته، لا أن يقمعها.
كما أعمل على إعادة صياغة صورة الناقد، ليكون شريكًا لا جلادًا، وعلى إشراك القارئ في العملية النقدية عبر تبسيط مفاهيمها داخل النصوص.
المشهد الأدبي لا يحتمل صراعات بقدر ما يحتاج إلى تنافس شريف يفتح الطريق نحو العالمية، وهو أفق أراه مستحقًا للأدب الأردني.
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
04
05
آخر الأخبار
ثقافة
ختام الموسم الثالث من «أيام ثقافية أردنية» بأمسية شعرية تحتفي بالوطن
منذ 14 ساعة
ثقافة
البيت العربي الثقافي يفتتح الموسم الثالث من "أيام ثقافية أردنية" بعنوان "السردية الأردنية"
منذ 2 يوم
ثقافة
الرواشدة: تشرفنا برعاية ولي العهد حفل ختام بطولة العالم للهجن
منذ 3 أيام
ثقافة
ديوان سعد الدين شاهين يبيِّن لنا مرحلة ما بعد اكتمال القمر
منذ 4 أيام
ثقافة
جماليات اللغة والدلالات الروائية في لم أعد طفلاً بعد الآن لمحمود العرابي
منذ 5 أيام
أخبار فنية
فن
الفنانة المصرية أروى جودة تتحدث عن أزمتها الصحية ومعاناة والدها مع ألزهايمر
منذ 5 ساعات
فن
حلا شيحة تظهر مع منى عبدالغني أمام الكعبة المشرفة
منذ 5 ساعات
فن
"آخر عيد ميلاد لأبويا" .. أحمد السعدني يثير الحنين بصورة مؤثرة
منذ 6 ساعات
فن
راغب علامة: قلوبنا مع الأردن الحبيب ملكاً وشعباً في هذا المصاب الأليم الذي شهدته مدينة الكرك
منذ 9 ساعات
فن
رامز جلال يثير ضجة في حفل زفاف مصطفى شوبير بعلقة موت (فيديو)
منذ 10 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
روما يفرض التعادل على نابولي وكومو يواصل انتصاراته في الدوري الإيطالي
منذ 54 دقيقة
رياضة
مواجهات نارية .. نتائج قرعة ربع نهائي كأس رئيس الإمارات
منذ 1 ساعة
رياضة
غافي: يمكن لمبابي تسجيل 5 أهداف .. فوز برشلونة أهم
منذ 1 ساعة
رياضة
أرسنال يستغل تعثر السيتي ويزاحمه على صدارة البريميرليج
منذ 3 ساعات
رياضة
يامال ومبابي يلتقيان في "بروفة" قبل الكرة الذهبية
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
20 ألف طلب خلال يومين .. ما سر وظائف متحف المستقبل في دبي؟
منذ 6 ساعات
منوعات من العالم
رضيع بشارب كثيف يشعل مواقع التواصل .. ما القصة؟
منذ 10 ساعات
منوعات من العالم
متحف اسكتلندي يسحب مومياوات مصرية .. "لم نحصل على موافقة الموتى"
منذ 12 ساعة
منوعات من العالم
"ناسا" تعلن رسميا عن رحلة مأهولة لسطح القمر في 2028
منذ 13 ساعة
منوعات من العالم
هل يخفي لمعان التفاح خطراً؟ .. الحقيقة وراء "طبقة الشمع"
منذ 16 ساعة
الرجاء الانتظار ...
التعليقات