م.صلاح طه عبيدات يكتب: على حافة المعطف الأبيض: حين يتحول حلم الطب إلى عبء وجودي

منذ 1 شهر
المشاهدات : 12198
م.صلاح طه عبيدات يكتب: على حافة المعطف الأبيض: حين يتحول حلم الطب إلى عبء وجودي
م. صلاح طه عبيدات

م. صلاح طه عبيدات

لم يعد خبر محاولة انتحار طالب في كلية الطب في الجامعة الأردنية حادثة عابرة يمكن احتواؤها بالأسف أو تفسيرها بوصفها “حالة فردية”. بل باتت جرس إنذارٍ مدوٍّ يكشف عن تصدّع عميق في بنية التعليم الطبي، وفي الطريقة التي يُعاد بها تشكيل الإنسان قبل الطبيب.
فطالب الطب لا يدخل هذا المسار بوصفه مجرد دارسٍ للعلم، بل باعتباره مشروع إنقاذٍ للحياة. غير أن المفارقة القاسية تكمن في أن من يُفترض به أن يحمي الحياة، قد يجد نفسه عاجزًا عن حماية حياته هو.
تشير الدراسات العالمية إلى أن طلاب الطب يعانون من معدلات مرتفعة من الاكتئاب والقلق والاحتراق النفسي مقارنة بغيرهم من الطلبة، نتيجة الضغوط الأكاديمية الهائلة، وطول سنوات الدراسة، والتعرض المبكر لمعاناة المرضى والموت، إضافة إلى ثقافة تنافسية قاسية لا تترك مساحة للضعف الإنساني. هذه العوامل مجتمعة تصنع بيئة صامتة من الألم، حيث يُتوقع من الطالب أن يكون قويًا دائمًا، متماسكًا دائمًا، ناجحًا دائمًا.
لكن الحقيقة أن هذا “الدائم” هو ما يقتل.
في السياق المحلي، تتضاعف الأزمة. فالمجتمع ينظر إلى طالب الطب بوصفه “نخبة النخبة”، ويحمّله توقعات شبه أسطورية، فيما تغيب – أو تضعف – منظومات الدعم النفسي داخل الجامعات. وهكذا يجد الطالب نفسه محاصرًا بين مطرقة التوقعات الاجتماعية وسندان الإرهاق الأكاديمي، دون مساحة آمنة للاعتراف بالانكسار.
إن محاولة الانتحار ليست فعلًا فجائيًا، بل هي نهاية سردية طويلة من الصمت. صمت عن التعب، عن الخوف، عن الشعور بعدم الكفاية. هي لحظة ينهار فيها المعنى، حين يفقد الإنسان قدرته على رؤية المستقبل كمساحة ممكنة.
ومن زاوية فلسفية، يمكن القول إن أزمة طلاب الطب ليست فقط أزمة ضغط، بل أزمة معنى. فحين يتحول العلم إلى سباق، والنجاح إلى رقم، والتفوق إلى شرطٍ للبقاء، يفقد الطالب علاقته الأولى بالطب: الرحمة. وهنا يحدث الانفصال الأخطر، ليس عن الآخرين، بل عن الذات.
إن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يحاول طالب الطب الانتحار؟
بل: كيف وصلنا إلى نظامٍ تعليمي يجعل من الحلم عبئًا، ومن الطموح ساحة استنزاف؟
المطلوب اليوم ليس مجرد بيانات تعزية أو لجان تحقيق، بل إعادة نظر جذرية في فلسفة التعليم الطبي. نحتاج إلى بيئة تعليمية تعترف بإنسانية الطالب قبل عبقريته، وتوفر دعمًا نفسيًا حقيقيًا، وتعيد تعريف النجاح بعيدًا عن الكمال القاتل.
لأن الطبيب الذي لا يُنقذ نفسه، لن يستطيع أن يُنقذ غيره.
وهنا، لا يكون إنقاذ طالب واحد مجرد واجب أخلاقي، بل إنقاذًا لفكرة الطب ذاتها… قبل أن تتحول إلى مهنة بلا روح.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم