حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأربعاء ,25 مارس, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 6621

عشية إقراره: مشروع يُزحزح حدود الملكية الخاصة ويُعيد تشكيل التعويض ودور القضاء خارج توازناتهما الدستورية

عشية إقراره: مشروع يُزحزح حدود الملكية الخاصة ويُعيد تشكيل التعويض ودور القضاء خارج توازناتهما الدستورية

عشية إقراره: مشروع يُزحزح حدود الملكية الخاصة ويُعيد تشكيل التعويض ودور القضاء خارج توازناتهما الدستورية

24-03-2026 11:14 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم :
محمد ابراهيم مطالقة-محام وباحث

يتناول هذا المقال جملة من التعديلات الجوهرية الواردة في مشروع القانون المعدل لقانون الملكية العقارية، لا سيما ما يتعلق بإعادة تعريف الطريق في المادة (2)، وتنظيم التعويض في المادتين (188) و(190)، والتوسع في الربع القانوني في المادة (192)، إلى جانب أحكام إزالة الشيوع وغيرها من النصوص ذات الصلة، وذلك في ضوء ما تثيره من تساؤلات دستورية تمس جوهر الحق في الملكية وضماناته.
في لحظة تشريعية حاسمة، ومع إدراج المشروع على جدول أعمال مجلس النواب، لا تبدو هذه التعديلات مجرد معالجة إجرائية، بل تعكس اتجاهاً تشريعياً يُعيد رسم العلاقة بين الإدارة والملكية الخاصة، ويُعيد توزيع الأدوار بين القضاء والسلطة التنفيذية على نحو يستدعي التوقف عنده.
تبدأ هذه التحولات من التعديل الوارد في المادة (2)، حيث تم إدخال السكك الحديدية ضمن تعريف “الطريق”. ورغم أن هذا التعديل قد يبدو في ظاهره اصطلاحياً، إلا أنه يُنتج أثراً قانونياً عميقاً، يتمثل في إخضاع منشآت ذات طبيعة خاصة لنظام قانوني صُمم أصلاً لمرفق عام مفتوح. فالسكك الحديدية، بوصفها منشأة مغلقة ومحدودة الاستعمال، لا تحقق ذات الأثر الذي يُبرر تطبيق نظام الربع القانوني، ومع ذلك فإن إدراجها ضمن هذا المفهوم يفتح المجال لتطبيق أحكام الاستملاك المرتبطة بالطرق عليها، بما في ذلك الاستملاك دون تعويض ضمن حدوده، الأمر الذي يفضي إلى فرض قيود دائمة على الملكية وتجريدها من جزء من قيمتها الاقتصادية دون مبرر موضوعي كافٍ.
ولا تقف الإشكالية عند حدود توسيع نطاق الاستملاك، بل تمتد إلى معيار التعويض ذاته. إذ إن التعديل الوارد في المادتين (188) و(190) الذي يربط مقدار التعويض بالسعر الإداري ضمن هامش محدد، يُحوّل التعويض من تقدير واقعي قائم على القيمة السوقية والضرر الفعلي إلى رقم مُسبق لا يعكس الخصائص الفردية للعقار ولا الأثر الواقع على الجزء المتبقي منه. والأخطر من ذلك أن هذا الربط يُفرض كسقف ملزم، لا كمعيار استرشادي، بما يُقيّد سلطة القضاء ويُعيد تعريف دوره من تقدير جوهري إلى تصديق شكلي. وبهذا، يتراجع التعويض من كونه ضمانة دستورية إلى تسوية إدارية محددة سلفاً، يُحمَّل من خلالها المالك جزءاً من عبء المنفعة العامة قسراً.
وتتعزز هذه الإشكالية مع التعديل الوارد في المادة (192)، الذي وسّع نطاق تطبيق الربع القانوني ليشمل استملاك المرافق العامة. فهذا التوسع يُساوي بين حالات تختلف في طبيعتها وآثارها، إذ أن استملاك الطرق قد يرتبط – في بعض الحالات – بزيادة قيمة العقار، وهو ما شكّل أساس هذا النظام، في حين أن استملاك المرافق العامة يفرض غالباً قيوداً دائمة تحدّ من الاستعمال والاستثمار، وقد يؤدي إلى تقليل القيمة الاقتصادية للعقار. ورغم هذا الاختلاف الجوهري، يُخضع المشروع الحالتين لذات النتيجة، وهي الاستملاك دون تعويض، بما يُخلّ بمبدأ التناسب، ويؤدي عملياً إلى تحميل المالك ضرراً خالصاً تحت افتراض منفعة غير متحققة.
وفي سياق موازٍ، تكشف التعديلات المتعلقة بإزالة الشيوع، كما وردت في المواد (96، 97، 102، 103، 104)، عن اتجاه لنقل اختصاصات ذات طبيعة قضائية إلى لجان إدارية. فإزالة الشيوع ليست إجراءً فنياً بسيطاً، بل نزاع قانوني بين شركاء يستلزم تطبيق قواعد التبليغ والإثبات والخبرة، ويقتضي توفير ضمانات المحاكمة العادلة. وإسناد هذا الاختصاص إلى جهة إدارية، مع منحها صلاحيات تمس الملكية، بما في ذلك الحجز وفقاً للمادة (105)، يُمثل خروجاً عن مبدأ الفصل بين السلطات، ويُضعف من الرقابة القضائية الفعلية.
كما أن إتاحة ممارسة بعض الأعمال القانونية أمام هذه اللجان من قبل غير المحامين، كما يُفهم من التعديلات ذات الصلة، يُثير تساؤلات حول كفاية الضمانات المهنية وجودة التمثيل القانوني، في سياق يفترض فيه أعلى درجات الحماية لحقوق الأطراف.
ولا تنفصل هذه التعديلات عن غيرها من النصوص التي تُثقل كاهل المالك، كإخضاع التعويض لرسوم طوابع الواردات بموجب المادة (198)، رغم كونه ناتجاً عن نزع ملكية جبري لا عن تصرف إرادي، أو حصر المقابل في حالات انتقال الملكية بمفهوم “بدل البيع” في المادة (219)، بما لا يستوعب صوراً قانونية أخرى كالمبادلة أو التسوية أو التنفيذ القضائي. ويُضاف إلى ذلك ما يعتري بعض النصوص من خلل في الدقة الاصطلاحية، كما في استخدام مصطلح “الراهن” بدلاً من “المرتهن” في المادة (22)، وهو ما قد يؤثر على تحديد المراكز القانونية للأطراف.
وعلى مستوى أوسع، تثير التعديلات المتعلقة بتملك الأجانب والأشخاص الحكمية، وتمكين البنوك من تملك العقارات ضمن شروط غير متوازنة، إلى جانب فرض غرامات في بعض الحالات، تساؤلات حول كفاية الضوابط التشريعية ومدى انعكاس ذلك على استقرار السوق العقاري وعدالة المعاملات.
إن القراءة المتكاملة لهذه التعديلات تكشف أنها لا تعمل بشكل منفصل، بل ضمن اتجاه تشريعي واحد يقوم على توسيع نطاق ما يمكن استملاكه، وتقييد معيار التعويض، وإزاحة دور القضاء تدريجياً. وهو ما يفرض إعادة النظر في هذه النصوص في ضوء المبادئ الدستورية التي تقوم على حماية الملكية الخاصة، وضمان التعويض العادل، وصون حق التقاضي.
فحيث يختل هذا التوازن، لا يكون الإشكال في نص بعينه، بل في الاتجاه الذي يحكم النصوص مجتمعة.








طباعة
  • المشاهدات: 6621
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
24-03-2026 11:14 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. هل سيُقرّ مجلس النواب مشروع قانون الضمان الاجتماعي الجديد؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم