حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الثلاثاء ,24 مارس, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 7235

القهيوي يكتب: من يكتب قواعد المرحلة القادمة… ومن سيدفع ثمنها؟

القهيوي يكتب: من يكتب قواعد المرحلة القادمة… ومن سيدفع ثمنها؟

 القهيوي يكتب: من يكتب قواعد المرحلة القادمة… ومن سيدفع ثمنها؟

24-03-2026 10:27 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. ليث عبدالله القهيوي
لم يعد ما يحدث حولنا مجرد سلسلة أزمات متلاحقة، بل أصبح أقرب إلى عملية إعادة كتابة لقواعد اللعبة نفسها. في كل مرحلة تاريخية كبرى، لا تتغير النتائج فقط، بل تتغير القواعد التي تُنتج هذه النتائج. واليوم، يبدو أن المنطقة والعالم يدخلان لحظة من هذا النوع، حيث لا يُعاد رسم المشهد بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر الاقتصاد، والطاقة، والممرات، والتحالفات التي تُبنى وتُفكك بسرعة غير مسبوقة.
في مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال: من سيفوز في مواجهة محددة؟
بل: من يكتب القواعد التي ستحدد شكل المرحلة القادمة؟
والأهم من ذلك: من سيدفع ثمن هذه القواعد عندما تُفرض على الجميع؟
العالم لا يتغير بشكل عشوائي، حتى حين يبدو المشهد فوضويًا. خلف التوترات المتصاعدة، وإعادة التموضع، والتقلبات الاقتصادية العنيفة، توجد إرادات تعمل على تشكيل المرحلة المقبلة. هناك من يكتب القواعد، وهناك من يُطلب منه أن يلعب ضمنها، وهناك من لا يملك سوى تحمل الكلفة.
لذلك، لم يعد السؤال متعلقًا بموازين القوة فقط، بل بمن يملك القرار… ومن يملك القدرة على امتصاص كلفته حين يأتي من الخارج.
القواعد الجديدة لا تُكتب في غرف العمليات العسكرية فقط. الحروب لم تعد عسكرية بالمعنى الكلاسيكي وحده، بل باتت تُخاض بأدوات أكثر تعقيدًا وأشد أثرًا على حياة الدول والمجتمعات.
الطاقة أصبحت ورقة نفوذ وضغط.
الممرات البحرية تحولت إلى مفاتيح سيطرة على التجارة والتموين.
سلاسل الإمداد لم تعد مسألة لوجستية فقط، بل عنصرًا في معركة النفوذ العالمي.
أما العقوبات، فقد أثبتت أن الاقتصاد نفسه أصبح ساحة صراع مفتوحة، وأن تعطيل الأسواق قد يكون في بعض الأحيان أكثر تأثيرًا من إطلاق النار.
في النظام الذي يتشكل اليوم، قد لا تُهزم الدول عسكريًا… لكنها تُستنزف اقتصاديًا حتى تُعيد ترتيب خياراتها كما يُراد لها.
لهذا، فإن من يكتب القواعد اليوم ليس طرفًا واحدًا. هناك قوى كبرى تعيد هندسة التوازنات بهدوء، عبر النفوذ المالي، والتحكم بالتكنولوجيا، وإدارة التحالفات. وهناك أيضًا قوى صاعدة تسعى إلى تثبيت حضورها مستفيدة من لحظة السيولة الدولية.
لكن الزاوية الأخطر والأقل تناولًا تكمن في دور الشركات العابرة للحدود، التي لم تعد مجرد فاعل اقتصادي، بل شريكًا ضمنيًا في رسم أولويات الدول. في كثير من الأحيان، لا تُصاغ القرارات وفق منطق السياسة وحدها، بل وفق مصالح الأسواق الكبرى والشبكات الاقتصادية التي تتجاوز الحدود.
لكن من يدفع الثمن؟
غالبًا ليست القوى التي تكتب القواعد. الكلفة تقع أولًا على الدول الهشة اقتصاديًا، التي تجد نفسها أمام موجات تضخم مستوردة، وارتفاع في أسعار الطاقة، وضغط على العملة، وتراجع في القدرة على المناورة.
وفي كثير من الحالات، لا تدفع الدول الثمن فقط… بل تُعاد صياغة أولوياتها الاقتصادية والسياسية قسرًا تحت ضغط الكلفة.
وتدفع الطبقة الوسطى او ما تبقى منها الثمن لأنها أول من يتآكل تحت ضغط الغلاء وتراجع القدرة الشرائية، بينما يتحمل الشباب كلفة مضاعفة في سوق عمل يضيق وفرص تتراجع، في بيئة اقتصادية لا تمنحهم استقرارًا كافيًا لبناء مستقبلهم. كما تتعرض الأسواق الناشئة لهزات متكررة وعنيفة كلما تبدلت قواعد التمويل والتجارة والطاقة عالميًا.
في الحالة الأردنية، تبدو الصورة أكثر حساسية وأهمية. الأردن ليس خارج اللعبة، لكنه ليس في موقع من يكتب قواعدها. ومع ذلك، لا يمكن النظر إليه كمتلقٍ سلبي.
فالمملكة تمتلك عناصر قوة حقيقية: الاستقرار السياسي، والموقع الجغرافي، والعلاقات المتوازنة، والقدرة على الحفاظ على خطاب عقلاني في بيئة شديدة الاضطراب. هذه عناصر تمنح الأردن قيمة استراتيجية أكبر من حجمه التقليدي، لكنها تضعه أيضًا أمام اختبار حقيقي: كيف يحول هذه القيمة إلى نفوذ يُفرض ... لا يُمنح؟
هنا تحديدًا تتبلور المعادلة الأردنية: ليس المطلوب أن يخرج الأردن من اللعبة، فهذا غير ممكن، بل أن يرفض أن يكون مجرد متلقٍ لنتائجها. فالدول في هذه المرحلة لا تُقاس بقدرتها على تجنب الأزمات فقط، بل بقدرتها على تقليل كلفتها وإعادة توظيفها لصالحها.
الأردن يمتلك ما يكفي ليكون أكثر من “متأثر ذكي”؛ يمكنه أن يكون لاعب توازن، ومركز عبور، وشريكًا لا يمكن تجاوزه في معادلات الاستقرار.
لكن ذلك لا يتحقق تلقائيًا… بل بقرار سياسي واقتصادي واضح: الانتقال من إدارة الضغوط إلى استثمارها.
في هذه المرحلة، لا تُفرض الأدوار على الدول الضعيفة فقط… بل على كل دولة تأخرت عن تعريف دورها بنفسها.
الخطر الحقيقي ليس في حجم الضغوط… بل في أن يُعاد تعريف دور الدولة خارجيًا قبل أن تعيد هي تعريفه داخليًا.
ما ينتظرنا على الأرجح هو استمرار صراع منخفض الكلفة عسكريًا، عالي الكلفة اقتصاديًا. وستتصاعد أهمية الدول القادرة على امتصاص الصدمات، فيما ستُعاد صياغة أدوار اقتصادية جديدة وفق منطق الممرات، والطاقة، والخدمات، وسلاسل التوريد.
في أزمنة التحولات الكبرى، لا تُوزَّع المكاسب بعدالة، ولا تُصاغ القواعد بالتوافق.
هناك من يكتبها… وهناك من يكتشفها متأخرًا… وهناك من يدفع ثمنها دون أن يكون جزءًا من صياغتها.
القواعد تُكتب الآن… وليس لاحقًا.
المعادلة لم تعد بين رابح وخاسر،
بل بين من يشارك في كتابة المرحلة القادمة… ومن يُطلب منه التكيف معها.
أما من يتأخر، فلن يكون خارج المشهد فقط…
بل سيكون جزءًا من كلفته.
وفي هذه اللحظة تحديدًا،
لا تُفرض القواعد على الضعفاء فقط…
بل على كل من لم يفهمها في الوقت المناسب.











طباعة
  • المشاهدات: 7235
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
24-03-2026 10:27 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. هل سيُقرّ مجلس النواب مشروع قانون الضمان الاجتماعي الجديد؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم