عبيدات يكتب: جاهات الزواج : حين يتحول الصدق إلى ضيف شرف غير مدعو

منذ 1 شهر
المشاهدات : 3960
 عبيدات يكتب: جاهات الزواج : حين يتحول الصدق إلى ضيف شرف غير مدعو
م. صلاح طه عبيدات

م. صلاح طه عبيدات

في هذا الزمنٍ الذي تتسارع فيه الأخبار وتتباطأ فيه القيم، ما زالت “الجاهة” تقف شامخة… لا بوصفها إرثًا اجتماعيًا أصيلًا فحسب، بل كأحد آخر المسارح المفتوحة لعرض مهارات البلاغة العربية في فن “تجميل الواقع”… أو لنقل: إعادة تدويره لغويًا.
تبدأ القصة كما نعرفها جميعًا: سيارات مصطفّة، وجوه وقورة، وعطور تختلط برائحة القهوة السادة، ثم يدخل “المفوّض بالحديث” وقد أُسندت إليه مهمة تاريخية لا تقل خطورة عن مفاوضات السلام الدولية. يعتدل في جلسته، يسعل قليلًا ليضبط نبرة الوقار، ثم ينطلق في خطابٍ لو سمعه أفلاطون لاعتزل الفلسفة، ولو سمعه أرسطو لأعاد تعريف الأخلاق.
يحدثنا الرجل عن نفسه، وعن نسبه الذي يكاد ينافس سلالات الملوك، وعن أخلاق العريس التي لو وُزّعت على أهل الحي لكفتهم، ثم ينتقل بانسيابية شاعرٍ مخضرم إلى مديح أهل العروس: “أهل الكرم، أهل الأصل، أهل الطيب”… حتى تظن لوهلة أنك أمام إعلان ترويجي لقبيلة ملائكية، لا أمام عائلة بشرية تعاني – مثل غيرها – من فواتير الكهرباء وازدحام الحياة.
لكن، وبين كل جملة وأخرى، يطلّ سؤال خجول من زاوية الحقيقة: هل هذا هو نفس الشخص الذي نعرفه خارج قاعة الجاهة؟ أليس هو ذاته الذي كنا نسمع عنه ما لا يُقال في هذه المجالس؟ كيف تحوّل فجأة إلى نموذجٍ أخلاقي يمشي على الأرض؟
ثم يأتي الرد من الطرف الآخر… نسخة طبق الأصل، ولكن بلهجة مختلفة. المفوّض من أهل العروس يرد التحية بمثلها، ويزيد عليها قليلًا من “السكر الاجتماعي”، فيوافق على الطلب وكأن القرار لم يُتخذ مسبقًا، وكأن القلوب لم تتصافح قبل الكلمات، وكأن العقد لم يُكتب في بعض الأحيان قبل حضور “فرقة الخطابة”.
المفارقة الساخرة أن الجميع يعلم أن ما يُقال ليس بالضرورة ما يُقصد، وأن المسرحية تُعرض بإخراجٍ جماعي متقن، حيث يؤدي كل طرف دوره بإتقان… دون أن يجرؤ أحد على كسر الجدار الرابع والاعتراف: “نحن هنا لنُكمل الطقوس فقط”.
في هذه اللحظة، تصبح الجاهة أشبه بمؤتمرٍ صحفي لا يُطرح فيه سؤال حقيقي، أو ببيانٍ رسمي لا يعكس بالضرورة ما يجري خلف الكواليس. كلمات كبيرة… ومعانٍ صغيرة، أو ربما غائبة.
ولعل المشكلة ليست في الجاهة ذاتها، فهي تقليد جميل يحمل في جوهره معاني الاحترام والتقدير، بل في تلك الهوة الواسعة بين القول والفعل، بين الخطاب والسلوك. حين يصبح الصدق عبئًا، والمجاملة المبالغ فيها فضيلة، نكون قد حولنا مناسبة اجتماعية نبيلة إلى عرضٍ لغوي فاخر… بلا مضمون.
نحن لا نحتاج إلى خطبٍ أطول، ولا إلى مفرداتٍ أفخم، بل إلى قدرٍ بسيط من الصدق يكفي ليجعل الكلمات تشبه أصحابها. نحتاج إلى جاهةٍ تقول ما تعني، وتعني ما تقول، دون رتوشٍ زائدة أو أقنعة مؤقتة.
ففي النهاية، الزواج لا يقوم على بلاغة المفوضين، بل على صدق القلوب… وما أكثر ما تُقال الكلمات، وما أقل ما تُعاش.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم