سرايا - ما بين سِنةٍ وانتباهةٍ مرّ طيف القلم، متوشِّحًا ألوان الشفق، مرتويًا من ندى الفجر. بصوته الخفيض يسجّل على مسامع الحروف: إذا عصف الخاطر أزجى الأفكار؛ تمضي وتجيء كسحابة في الرأس، تمطر فكرةً تغدق الدواة، فيهرول المداد، وتزهر السطور رياضًا من الخواطر. يفوح عطر الأمس، يوشوش القلم سكون الليل، ويقطف الكلمات عناقيد من كروم الضاد، ليكتب سردية كاتبةٍ طالما داعب هدب قلمها سهد الزمان، ولامس وتره ذاكرة المكان.
تنسج الواقع على منوال الخيال، وتحِيك أسرار الأرض خيوطًا تُشذِّب بها بريق نجمة الشمال. حلمٌ يراودها عند عتبة الضحى، وكفّ الشمس تهب النوافذ دفئًا، تمدّ الحكايات بالحياة؛ عناوينها ترتدي الفصول ربيعًا، والهلال النبيل يجرّ وراءه قلم امرأة قادمة من الزمن الجميل. إنّه قلم المؤرّخة والأديبة الأردنية هند أبو الشَّعر.
المدائن النابضة وأسراب القناديل:
أدغال الأمكنة المشتعلة بالتاريخ لم تحجب سحب الأزمنة وهجها؛ كأنها وُلدت من فجر لم تبتلعه جبال المغيب. سرّها الأزلي معقود بابنة المكان. اليمام على أشجار البلوط والقيقب يقصّ حكاية الديكابولس؛ تمدّ جلعاد كفّها إلى عجلون، تتقدّمها فيلادلفيا، ويحرس الزمان جراسا، وتتبعها جدارا وبيلا وأبيلا وإيدون وكابيتولياس.
يقف التاريخ على قلعة الربض منتشيًا بصبا العروبة، كأنما يقول: ستتوارى الإمبراطوريات، وتمضي روما خلف الشمس، لكن المدائن تبقى لأهلها. حول تلّ الاشتيب تدور أسراب القناديل، تتسلّل أضواؤها إلى الجدران دون أن تخدش قدسية الأسرار. لم تغادر الخرافة مغارة وردة، ولا يزال صدى الصرخة الأولى لابنة عجلون يتردّد في وادي الريان وراجب؛ يخفق قلب هند بالمدائن، وتراقص عيناها القناديل.
لون الحنطة وجه أبي، وبطعم الأرض خبز أمّي:
على متن السطور تبدأ الحكاية، وتزهر الذاكرة بعبق المكان. البيت العتيق تحجّ إليه الشمس كل صباح، توقظ الندى عن نوافذه، ويغمر الدفء «الحوش» صيفًا وشتاءً. تمضي الحكايا بين جدرانه، والأب يحمل يومه الطويل، والأم توقظ التنّور بحمرة الحياة.
تمضي الطفلة هند إلى مدرستها الأولى، تلتقط حجرًا ملوّنًا دون أن تدري أنه فسيفساء، وتقطف من كتاب اللغة حروف الأبجدية. في صندوقها الخشبي قلمٌ ومبراة، ريشة وألوان، وقطع حجارة، ومرآة تحفظ ملامحها. تغنّي لعروستها: لون الحنطة وجه أبي، وبطعم الأرض خبز أمي.
لم يكن درج العلم عصيًّا:
تدرّجت هند في مدارج التعليم حتى مدرسة إربد الثانوية للبنات، وكان ما تعلّمته نقشًا على حجر. وحين حان موعد الحصاد، جاء التفوّق طبيعيًا كنبضها. لبّت نداء التاريخ، فحصدت بكالوريوس التاريخ من الجامعة الأردنية، ثم الماجستير فالدكتوراه.
من التاريخ تعلّمتُ وفاته أن يعلّمني النسيان:
بعد التحصيل، خاضت مسالك العمل في وزارة التربية والتعليم، ثم ارتقت سلّم الأكاديمية أستاذةً في جامعة آل البيت منذ تأسيسها عام 1994، حتى ترأست قسم التاريخ، ثم عمادة كلية الآداب والعلوم الإنسانية.
أسهمت في تأسيس جماعة الفنانين التشكيليين الشباب عام 1981، وكتبت في الصحافة الأردنية، واستحضرت وصية أستاذها عبد العزيز الدوري بالكتابة في التاريخ الإسلامي. شاركت في تحرير منشورات الجامعة وسلسلة الوثائق الهاشمية، وأصدرت كتابها «أنا والتاريخ»، مؤمنة بأن التاريخ يُنقش في ذاكرة الأبناء لا على جدران الأزمنة.
مخيّلة لا مخالب فيها:
في مجموعاتها القصصية، منها «شقوق كفّ خضرا»، وكتابها «أوراق الأجداد»، يتسلّل الواقع إلى مخدع الخيال، يتحرّر من جموده، ويغدو حصانًا يركض في فضاء مفتوح. هناك الجدّ والراديو وصوت بي بي سي، وأبواب الدكاكين المقوّسة، والحكايات التي تلتقطها يد المبدعة لتصير أثرًا مكتوبًا.
الشغف منهج حياة:
بمنهج علمي صارم، نبشت في دفاتر الطابو وسجلات المحاكم الشرعية بين الأردن والأستانة، بحثًا عن الحقيقة. في روايتها «فتاة أرمنية تسكن في قصر يلدز» أعادت الاعتبار للروائي الأردني عقيل أبو الشَّعر، صاحب رواية «المهاجر»، الذي نُفي إبّان الحكم العثماني. زارت الأرشيف العثماني في إسطنبول لتوثيق تفاصيل حياته، وما زال السؤال مفتوحًا، والشغف يقود الرحلة.
«أنا والتاريخ» وما وراء السرد:
في كتبها «أضاعوني»، و»تاريخ الأردن 1876–1923»، و»الأعمال الكاملة»، تقف على ربّة عمّون، تحيي جبالها السبع، وتستعيد قلاع الشوبك والعقبة والأزرق والسلط والربض. بين الوجع والنشوة، بين الوثيقة والسرد، تظلّ الكفّ خضراء العروق، نابضة بالحياة.
أمّا أنا والكلمات والقلم والدواة، فسنظل أسراب قناديل نطوف حول أعلامٍ وأقلام، في خلجاتٍ سابحة، نؤمن أن للمكان ذاكرة، وأن بعض النساء خُلِقن ليكنَّ حارساتها.
فايزة عبدالكريم الفالح
إقرأ ايضاَ
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
04
05
آخر الأخبار
ثقافة
هيئة شباب كلنا الأردن تستمر في تنفيذ برامجها التدريبية لتمكين الشباب في مجالات الاقتصاد الرقمي
منذ 11 ساعة
ثقافة
رابطة الكتاب تحتفل بعيد الاستقلال
منذ 12 ساعة
ثقافة
صدور كتاب يوثّق سيرة الطبيب الراحل موفق خزنة كاتبي وعطاءه الإنساني
منذ 1 يوم
ثقافة
القلق واغتراب الذات في رواية «بيت العنكبوت» لشريفة التوبي
منذ 1 أسبوع
ثقافة
الرائد الدكتور عدي الفواعير يصدر مؤلفه الجديد «مدخل إلى علم القانون» لعام 2026
منذ 1 أسبوع
أخبار فنية
فن
تامر حسني يخرج عن صمته بعد تصريحات مي عز الدين: «غلاوتك كبيرة عندي»
منذ 47 دقيقة
فن
اسمها ارتبط بحاكم مصرف لبنان .. ستيفاني صليبا تعود بعد غياب 3 سنوات
منذ 1 ساعة
فن
ابن أنجلينا جولي وبراد بيت يطلب رسمياً حذف لقب والده من اسمه
منذ 2 ساعة
فن
المخرج السوري محمد عبد العزيز يكشف تفاصيل خلافه مع كاريس بشار
منذ 3 ساعات
فن
تامر حسني يوجّه رسالة الى مي عز الدين بعد تصريحاتها عنه-صورة
منذ 5 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
النعيمات يدعم نشامى المنتخب: معاكم على الموت
منذ 1 ساعة
رياضة
النشامى يغادرون إلى سان دييغو لخوض المعسكر التدريبي لمونديال 2026
منذ 3 ساعات
رياضة
مونديال 2026: استبعاد المهاجم سردار أزمون عن القائمة النهائية لمنتخب إيران
منذ 3 ساعات
رياضة
دافيد أنشيلوتي مدربا جديداً لنادي ليل الفرنسي
منذ 6 ساعات
رياضة
لم أعد قادرا على المشي .. نجم برشلونة السابق يكشف كواليس اعتزاله المأساوي
منذ 6 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
الليمون الأحمر .. فاكهة نادرة تختفي بعد 72 ساعة فقط
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
السر يختبئ في الكبد .. كيف يجد الحمام طريقه إلى المنزل؟
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
قد لا تدرك أنها محظورة .. أغراض يمكن أن تقودك إلى السجن في المونديال
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
كيف يسيطر النرجسي أو المتلاعب على ضحاياه؟
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
لماذا يرى بعض الأشخاص أنفسهم دائماً ضحايا؟
منذ 4 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات