حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
السبت ,21 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 8051

طقوس رمضان العائلية .. كيف تبني الطمأنينة في قلوب الصغار؟

طقوس رمضان العائلية .. كيف تبني الطمأنينة في قلوب الصغار؟

طقوس رمضان العائلية ..  كيف تبني الطمأنينة في قلوب الصغار؟

21-02-2026 08:56 AM

تعديل حجم الخط:

سرايا - رمضان في وجدان الطفل موسم يعيشه بإحساسه قبل كل شيء. هو لا يفهم فلسفة الصيام، لكنه يفهم الشعور، وما يبقى في ذاكرته ليس عدد الساعات التي يمتنع فيها عن الطعام، بل الطريقة التي نتحدث بها إليه عن الله.


كثيرا ما نربط رمضان عند الصغار بالتخويف: إن لم تصم سيغضب الله، إن أخطأت بطل صيامك؛ فقد يتحول الشهر الذي نزل فيه السلام إلى مساحة قلق، بينما الحقيقة أن الطفل لا يحتاج أن يخاف ليطيع، بل أن يحب ليقترب. أن نصنع الذكرى دون خوف يعني أن نقدم رمضان كقيمة لا كعقوبة، أن نسمح لهم بالتجربة دون ضغط. سميح عبد القادر، أب لـ 5 أطفال، يرى أن رمضان مع الأطفال هو صناعة طقوس صغيرة؛ كطبق يعدونه بأيديهم، أو مصحف صغير يضعون عليه ملصقا باسمهم، ودعاء يهمسون به قبل النوم كما لو أنهم يرسلون رسالة سرية إلى السماء، هذه كلها تفاصيل بسيطة، لكنها تصبح مع الأيام ذكريات دافئة يشتاق لها الطفل ويحن لأن يعيشها مرة أخرى.


ويبين أن الأطفال يتعلمون من الكبار كل شيء تقريبا، لذلك حين يرون والدهم يبتسم رغم التعب خلال اليوم، وحين يسمعون والدتهم تقول: "نحن نصوم لنكون أفضل ولنشعر بغيرنا"، فحتما تترسخ فيهم قيمة رمضان. أما الخوف فيصنع ذاكرة مرتبكة، أما الحب فيصنع انتماء طويلا.


بناء ذاكرة الطفل الرمضانية
وتتفق معه رزان (27 عاما)، تقول: أكثر ما يفرح الصغار في رمضان ويجعلهم مقبلين على الصيام هي الطقوس العائلية البسيطة التي يحرص الكبار على إشعارهم بها والاهتمام بخلق أفكار جديدة تمنحهم السعادة والحماس.


وبحسب رأيها، فإن الطفل الذي يعيش رمضان ببهجة يكبر وهو يتوق إليه، ليس خوفا من العقاب، بل لأنه يدرك أن هذا الشهر يمثل فرصة للتقرب من الله ومن العائلة ومن الذات.


ومن المهم الإشارة إلى أن رمضان ليس مجرد اختبار قدرة للأطفال، بل هو موسم للغرس؛ فما نزرعه في قلوبهم اليوم سيُزهر إيمانا راسخا ومطمئنا في الغد.


من جهتها، تُبيّن خبيرة علم الاجتماع فاديا إبراهيم أن أسلوب الأسرة في التعامل مع الطفل خلال شهر رمضان هو العامل الأول في بناء ذاكرته الرمضانية؛ فالطفل لا يفهم الصيام كواجب شرعي مجرد، بل كخبرة اجتماعية يعيشها في تفاصيل اليوم من حيث نبرة الحديث، طريقة الإيقاظ للسحور، لغة التشجيع، طبيعة التفاعل عند الإفطار، والمشاركة في الطقوس الجماعية.


حين تكون هذه التفاصيل مشبعة بالحب والاحترام والتدرج، يتكون ارتباط عاطفي إيجابي بين الطفل ورمضان، أما حين تُدار بلغة القسوة والمقارنة والضغط، تتحول العبادة إلى عبء نفسي، ويتحول الشهر إلى تجربة ثقيلة الذاكرة.


أثر استخدام التخويف على الطفل
استخدام التخويف في تعليم الأطفال الصيام والعبادات لا يترك أثرا فرديا فقط، بل يمتد اجتماعيا ليؤسس ثقافة قائمة على الرهبة لا على المعنى.


فالطفل الذي يتعلم الطاعة عبر الخوف، يصبح الامتثال ناتجا عن القلق لا عن القناعة، وقد ينتج عن ذلك أفراد يربطون القيم الدينية بالضغط النفسي لا بالسكينة، وبالإجبار لا بالاختيار، مما يضعف البعد الإنساني للدين في الوعي الجمعي. ووفق إبراهيم، فإن المجتمع بدوره شريك أساسي في تشكيل صورة رمضان في وعي الطفل.


فالأجواء العامة، والخطاب الديني، والسلوكيات الاجتماعية، والممارسات الرمضانية في الفضاء العام، كلها ترسل رسائل ضمنية للطفل عن معنى هذا الشهر.


فحين يرى الطفل التكافل، والرحمة، والعطاء، والاحترام، والهدوء الاجتماعي، وروح المشاركة، تتشكل لديه صورة رمضان كفضاء اجتماعي دافئ، أما حين يراه موسما للتوتر، والعصبية، والعقاب، والانضباط القسري، تتشكل صورة مشوهة.


تؤدي المدرسة ووسائل الإعلام دورا مركزيا في هذه العملية. فالمدرسة التي تقدّم رمضان كقيمة تربوية إنسانية، لا كمجرد واجب تعبدي، تساهم في بناء علاقة صحية بين الطفل والدين والمجتمع.


تشكيل وعي إيجابي في حياة الطفل
وكذلك الإعلام، حين يعرض رمضان بوصفه موسما للرحمة والتراحم والتواصل الإنساني، فإنه يساهم في تشكيل وعي جماعي إيجابي لدى الأطفال. الخطاب الإعلامي والتربوي هنا ليس مجرد محتوى، بل أداة تشكيل نفسي واجتماعي طويل الأمد.


وبحسب إبراهيم، فإن التجارب الرمضانية الدافئة، كالإفطار الجماعي، واللقاءات العائلية، والمشاركة البسيطة في الطقوس، تخلق لدى الطفل شعورا بالانتماء للمجتمع. هذه اللحظات الصغيرة تصنع ذاكرة جمعية تربط العبادة بالحب، والدين بالدفء، والانتماء بالطمأنينة.
الطفل الذي يعيش رمضان في إطار جماعي إنساني، ينمو لديه شعور أن المجتمع مساحة أمان لا تهديد، وأن الدين علاقة قرب لا خوف.


تختلف تجربة الأطفال مع رمضان باختلاف البيئات الاجتماعية والثقافية. ففي البيئات التي يسودها الوعي التربوي، يُقدَّم رمضان كقيمة روحية واجتماعية متدرجة، بينما في البيئات التي يغلب عليها الضغط الثقافي والخطاب السلطوي، يُقدَّم بوصفه اختبار تحمّل وانضباط. هذا الاختلاف ينعكس على البناء النفسي والاجتماعي للطفل، وعلى نوع العلاقة التي سيحملها مستقبلا مع الدين والمجتمع.


المشاركة المجتمعية واحترام الآخر
الذكريات الجميلة في رمضان لا تصنع فقط علاقة إيجابية مع الشهر، بل تزرع قيما اجتماعية عميقة داخل الطفل، مثل التعاون، والتعاطف، والإحساس بالآخر، والمشاركة، والمسؤولية الجماعية. فالطفل الذي يتعلم الصيام في سياق إنساني، يتعلم في الوقت نفسه معنى المشاركة المجتمعية، واحترام الآخر، والشعور بالجماعة، وهي قيم تتجاوز رمضان لتشكل أساس شخصيته الاجتماعية لاحقا، بحسب إبراهيم.


وتشير الاستشارية النفسية الأسرية والتربوية حنين البطوش إلى بعض الأساليب التي تشجع الطفل على الصيام، ومنها: التعاون مع أولاد الأقارب أو الجيران بحيث يصومون جميعا فيشجع بعضهم بعضا على الصيام، وتحضير وجبة مميزة للطفل عند الإفطار من وقت لآخر والسماح له بالجلوس على مائدة الكبار من الصائمين، ووضع بعض الحلويات والأطعمة المفضلة للطفل الصائم بعيدا عنه قبل الإفطار حتى لا تضعف همته على الصيام، ومن المهم إظهار جو من البهجة والسرور بهذا الشهر الفضيل من خلال الزينة ووضع الفوانيس والمدائح الرمضانية حتى يشعر الأطفال بأهمية هذا الشهر الكريم.


التجارب الأولى للطفل بذرة أساسية وجدانية
وتبين البطوش أن التجارب الأولى للطفل مع رمضان بمثابة البذرة الوجدانية؛ فالعقل البشري في مرحلة الطفولة يربط المفاهيم المجردة كالدين والعبادة بالمشاعر المحسوسة، فإذا ارتبط رمضان برائحة الطعام الشهي، واجتماع العائلة، وابتسامة الوالدين، فإن الطفل يطور ارتباطا آمنا مع الخالق ومع العبادات مستقبلا.


هذه المشاعر الإيجابية المبكرة تتحول إلى دافع داخلي ذاتي عندما يكبر، بحيث يقبل على الصلاة والصيام لا كواجب ثقيل، بل كحالة من الحنين لتلك المشاعر الدافئة التي عاشها في صغره.


ووفق البطوش؛ فإن استخدام التخويف أو الضغط الجسدي والنفسي لإجبار الطفل على الصيام يولد ما يسمى بالنفور الشرطي؛ هذا الأسلوب قد يُنتج طفلا يصوم ظاهريا خوفا من السلطة، لكنه يزرع بذور النفاق الاجتماعي أو القلق الديني، حيث يعمل أسلوب التشجيع على تعزيز الكفاءة الذاتية، حيث يشعر الطفل أنه بطل يخوض تجربة ممتعة، مما يحول الصيام إلى إنجاز نفسي يفتخر به، ويقوي لديه القدرة على الصبر والتحمل بمرونة.


شعور الأمان وانعكاسه على الصحة النفسية
ينعكس شعور الأمان في رمضان على الصحة النفسية للطفل من خلال خفض مستويات الكورتيزول، هرمون التوتر، وزيادة الأوكسيتوسين، هرمون الروابط. وعندما يرى الطفل والديه في حالة من السكينة والترابط، يمتص هذا الهدوء عبر العدوى العاطفية.


الدعم الأسري الذي يتجاوز التركيز على كم ساعة صام الطفل إلى "كيف يشعر الطفل؟" يجعل من رمضان واحة للأمن النفسي، مما يعزز لدى الصغير الشعور بالانتماء للجماعة، وهو أحد أهم ركائز الصحة النفسية والمناعة ضد اضطرابات القلق.


وتؤكد البطوش أن المدح والمكافأة والمشاركة الوجدانية لها دور كبير؛ فالمحفزات العصبية التي تفرز الدوبامين في دماغ الطفل تجعل تجربة رمضان تجربة مجزية بيولوجيا ونفسيا، حيث التعزيز ليس مجرد جائزة مادية، بل هو الاعتراف بجهد الطفل؛ فكلمة ثناء أمام العائلة على مائدة الإفطار تمنحه شعورا بالمرئيّة والقيمة. هذا الارتباط الإيجابي يجعل العبادة مقترنة بالإنجاز والتقدير، مما يبني علاقة صحية مع الدين تقوم على الحب والرغبة، لا على الرهبة والاضطرار.


تُعد الذكريات الرمضانية السعيدة (مثل تزيين المنزل، حكايات ما قبل السحور) "مخزونا عاطفيا" يستدعيه الطفل في الأزمات. هذه الذكريات تنمي الثقة بالنفس لأنها تعيد تذكيره بقدرته على الانضباط والنجاح في بيئة محفزة.


كما أن طقوس رمضان الجماعية تعلم الطفل "الضبط الانفعالي"؛ فانتظار الأذان هو تدريب عملي عالِي المستوى على تأجيل الإشباع (Delayed Gratification)، وهو مهارة ذكاء عاطفي أساسية تساهم في بناء شخصية قوية قادرة على التحكم في نزواتها ومشاعرها مستقبلا، كما تقول البطوش.


خطورة التركيز المفرط على العقاب
وتنوه البطوش أن التركيز المفرط على العقاب والنار يولد "قلقا وجوديا" وسواسا قهريا حيال الأخطاء البسيطة، مما يجعل الطفل يشعر بالذنب الدائم. أما تقديم الثواب ككرم إلهي ومحبة، وتقديم العقاب كفرصة للتصحيح والتوبة، فإنه يبني "طمأنينة روحية". عندما يفهم الطفل أن الله يحب محاولاته حتى لو تعثر، تنشأ لديه شخصية متوازنة نفسيا، تفرق بين الخطأ وبين قيمتها الذاتية، وتتعامل مع العبادة بروح الرجاء لا بروح الذعر.


ومما يساعد ويعين الطفل على مواصلة نهار الصوم والتماسك حتى أوان الإفطار إيقاظه للسحور وتقديم الطعام المغذي والمشبع الذي لا يسبب عطشا كالأطعمة المالحة أو الحلويات والبهارات، واستبدالها بالتمر والجوز والزبيب وغيرها من الفواكه المجففة، والتقليل من الأطعمة المقلية والدهنية التي قد تسبب عسر الهضم.


أيضا، برنامج يومي للطفل يتخلله استراحة للنوم ودراسة واستماع إلى القرآن وحضور درس ديني، وتنصح البطوش الأم بالسماح لأطفالها بمساعدتها في إعداد الطعام، فهذا يفرحهم ويشغل وقتهم ويعلمهم العمل الجماعي.


ويبقى اجتماع الأولاد على مائدة رمضان فرصة ذهبية لتعليمهم بعضا من آداب الطعام كغسل اليدين قبل الأكل وبعده، والتسمية قبل الأكل، والبدء بالإفطار على تمر أو رطب أو ماء، والحرص على شرب الكثير من الماء لتعويض ما فُقِد من سوائل خلال الصيام، وتجنب ذم الأكل كقول: (لا أحب هذا الطعام)، وحمد الله وشكره على الكثير من النعم التي أنعم بها علينا، حيث إن الفقراء قد لا يجدوا ما يسد جوعهم.


وعلى الأهل الاهتمام بإعطاء الأولاد الطعام والذهاب به إلى المسجد، وتفطير الصائمين الفقراء، فيتربى على حب الخير والعطاء وعلى التعاطف مع إخوانه المسلمين في رمضان وغيره من الشهور، فإحساس الطفل بالجوع يعلمه التعاطف مع الفقراء الذين لا يجدون ما يسد جوعهم.

الغد











طباعة
  • المشاهدات: 8051
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
21-02-2026 08:56 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضا

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم