حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
السبت ,24 يناير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 4236

د. هيثم علي حجازي يكتب: البطالة بين الشباب: المشكلة الصامتة في قلب الأزمة المجتمعية

د. هيثم علي حجازي يكتب: البطالة بين الشباب: المشكلة الصامتة في قلب الأزمة المجتمعية

د. هيثم علي حجازي يكتب: البطالة بين الشباب: المشكلة الصامتة في قلب الأزمة المجتمعية

24-01-2026 12:42 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. هيثم علي حجازي
من المعروف أنه في المجتمعات التي تمر بتحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة، لا تظهر الأزمات دائماً في صورة صدامات أو احتجاجات أو انهيارات مفاجئة، لأن بعض الأزمات تنمو ببطء، وتترسخ بهدوء، حتى تصبح جزءا من المشهد اليومي. وبطالة الشباب واحدة من أخطر هذه الأزمات، إذ أنها لا تُرى بالعين المجردة، لكن يمكن الشعور بوجودها في المزاج العام، وفي لغة الإحباط، وفي تراجع الإيمان بالمستقبل. والبطالة مشكلة صامتة، لا لأنها غير موجودة، بل لأنها أصبحت مألوفة إلى حد التطبيع معها، وكأن عجز الشباب عن إيجاد مكانهم في الحياة الاقتصادية أمر عادي لا يستحق القلق.
في الماضي، كانت البطالة تُفهم غالبا بوصفها حالة فردية مرتبطة بالكسل أو ضعف الكفاءة. أما اليوم، فقد تحولت إلى ظاهرة بنيوية تعكس خللا عميقا في بنية الاقتصاد، والتعليم، والسياسات العامة. فعندما يعجز آلاف، بل ملايين الشباب عن إيجاد عمل، لا يمكن تفسير الأمر بأسباب فردية؛ فنحن أمام نظام تعليمي ينتج أعدادا متزايدة من الخريجين دون أن يمتلك القدرة أو الرؤيا لاستيعابهم في سوق العمل. وهنا تتحول البطالة من مشكلة أشخاص إلى أزمة نموذج تنموي كامل.
يُفترض أن يكون التعليم هو العقد غير المكتوب بين الفرد والمجتمع: "تعلّم، نؤهّلك، ونفتح لك أبواب المشاركة في الحياة الاقتصادية". لكن هذا العقد بدأ يترنح؛ لأن الكثير من الأنظمة التعليمية ما زالت تعمل بعقلية القرن الماضي، وبعكس ما يتطلبه سوق العمل في القرن الحادي والعشرين. اليوم، يتم التركيز على الشهادات لا على المهارات؛ على التلقين لا على التحليل؛ على الامتحان لا على الكفاءة. والنتيجة هي أجيال تحمل أوراق اعتماد أكاديمية، لكنها تفتقر إلى أدوات التعامل مع الواقع العملي: التفكير النقدي، حل المشكلات، العمل الجماعي، والمرونة المهنية. وهكذا، تتحول الشهادة من جسر عبور إلى وثيقة انتظار.
لا يمكن فصل بطالة الشباب عن طبيعة الاقتصاد السائد. ففي كثير من الدول، يعتمد الاقتصاد على قطاعات محدودة لا تولّد فرص عمل كافية، أو على وظائف حكومية مشبعة أصلا. ومع ضعف الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، وتراجع الصناعة، وغياب سياسات دعم حقيقية للمشاريع الصغيرة، يصبح سوق العمل محدودا ضيِّقا بطبيعته. ويزداد الأمر تعقيدا عندما تتحول الوظائف إلى موارد نادرة تُوزَّع عبر العلاقات لا الكفاءات، فتُقتل المنافسة العادلة، ويُصاب الشباب بالإحباط والشعور باللاّجدوى.
العمل ليس مجرد مصدر دخل، بل هو مصدر معنى يشعر الانسان من خلاله بقيمته، ودوره، وقدرته على الاستقلال. وبالتالي، حين يُحرم الشاب من العمل، يُحرم تدريجيا من هذا المعنى، لأن البطالة الطويلة لا تسرق الوقت فقط، بل تسرق الثقة بالنفس، وتخلق شعورا داخليا بالفشل. ومع مرور الزمن، يتحول الإحباط إلى غضب مكبوت، أو انسحاب صامت من المشاركة المجتمعية. وهنا تكمن الخطورة: مجتمع يهمّش شبابه، ويُنتج طاقات غاضبة أو منكسرة، وفي الحالتين يدفع الثمن لاحقا.
لا تتوقف آثار البطالة عند حدود الفرد المتعطل عن العمل، بل تمتد لتطال البنية الاجتماعية بأكملها: (1) تأخر الزواج وتفكك الروابط الأسرية (2) ازدياد الاعتماد الاقتصادي على الأسرة (3) تراجع الإحساس بالانتماء (4) هجرة الكفاءات والعقول (5) انتشار السلوكيات السلبية واليأس الجمعي (5) ومع الوقت، تتآكل الثقة بين الشباب والمؤسسات، وتصبح الدولة في نظرهم كيانا بعيدا لا يمثل طموحاتهم.
إلى جانب الأسباب الاقتصادية، تساهم الثقافة المجتمعية في تعقيد الأزمة. فما زالت بعض المجتمعات تمجّد الوظيفة “الآمنة” وتزدري العمل الحر، وتُخيف الشباب من الفشل بدل أن تعلّمهم كيف يتعاملون معه. هذا المناخ الثقافي ينتج شبابا ينتظرون الفرصة المثالية بدل صناعة الفرص الممكنة، ويخشون التجربة خوفا من الوصم الاجتماعي. وهكذا تتحول البطالة إلى حالة نفسية بقدر ما هي وضع اقتصادي.
عندما يفقد الشاب الأمل في وطنه، يبدأ في البحث عن مكان آخر يشعر فيه بالاعتراف. لذلك، لا يمكن فهم الهجرة المتزايدة للشباب بمعزل عن البطالة. فالهجرة ليست دائما بحثا عن الثراء، بل غالبا هروب من الإقصاء وانعدام الفرص. والمفارقة المؤلمة أن الدول التي تعجز عن استثمار شبابها، تخسرهم لصالح مجتمعات أخرى أحسنت احتواءهم.
إنّ حل مشكلة بطالة الشباب لا يكمن في وعود موسمية أو برامج مؤقتة، بل في إعادة بناء الرؤيا: (1) تعليم مرن مرتبط بالواقع (2) اقتصاد منتج لا ريعي (3) سياسات تشغيل عادلة وشفافة (4) دعم حقيقي لريادة الأعمال (5) إشراك الشباب في صنع القرار. وفي المقابل، يحتاج الشباب إلى إعادة تعريف النجاح، والاستثمار في تطوير الذات، والتعامل مع الفشل كمرحلة لا كنهاية.
إنّ بطالة الشباب ليست رقماً في تقرير، بل سؤال أخلاقي وسياسي: كيف نطلب من الشباب الإيمان بالمستقبل، ونحن لا نمنحهم مكانا فيه؟ والصمت عن هذه الأزمة ليس حيادا، بل مشاركة في تعميقها. فإما أن نكسر هذا الصمت، ونحوّل الشباب من عبء مُتخيَّل إلى طاقة حقيقية، أو نترك المشكلة تنمو حتى تتكلم بطريقتها… وحينها قد يكون الأوان قد فات.











طباعة
  • المشاهدات: 4236
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
24-01-2026 12:42 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تتحول التهديدات العسكرية المتبادلة بين طهران وواشنطن إلى حرب شاملة بالمنطقة؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم