حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الإثنين ,1 سبتمبر, 2025 م
طباعة
  • المشاهدات: 7738

د. هيثم علي حجازي يكتب: الإدارة المرتعشة: أزمة قرار تكلف الدول مستقبلها

د. هيثم علي حجازي يكتب: الإدارة المرتعشة: أزمة قرار تكلف الدول مستقبلها

د. هيثم علي حجازي يكتب: الإدارة المرتعشة: أزمة قرار تكلف الدول مستقبلها

31-08-2025 04:01 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. هيثم علي حجازي
يدرك المتأمل للمشهد الإداري في مؤسسات القطاع العام، أي قطاع عام، أن المعضلة الكبرى التي يواجهها هذا القطاع لم تعد مشكلة نقص الكفاءات أو الموارد، بل هي مشكلة الخوف من اتخاذ القرار. وتسود أوساط هذا القطاع حالة من "الارتعاش الإداري" بمعنى أن المسؤول – وبغض النظر عن منصبه الوظيفي – يعمد الى التهرب من اتخاذ أي قرار لحسم أي موضوع بين يديه. وكل ذلك يتم بدل أن يمارس دوره القيادي في تسيير شؤون الدولة وخدمة المواطن.

وحينما تسود مثل هذه الأزمة الصامتة تصبح دورة عجلة التنمية بطيئة، وتُهدر فرص الاستثمار، وتضعف ثقة المواطن بمؤسسات دولته؛ بل الأخطر من ذلك أن هذه الأزمة الصامتة تُفرز حالة عامة من الجمود، فتبدو الدولة وكأنها تعيش في فراغ إداري منظم.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا يخاف المسؤول من اتخاذ القرار؟
ثمة أسباب عديدة تقف وراء هذه الظاهرة تتمثل في (1) وجود ظاهرة "المساءلة المنحرفة" وتظهر هذه الحالة حينما يعيش كثير من المسؤولين في ظل "فوبيا المحاسبة" خاصة عندما لا تُمَيِّز القوانين بين القرار الإداري الاجتهادي وبين الفساد أو التجاوز. وبالتالي، يختار المسؤول تطبيق مبدأ "سَكِّنْ ِتَسْلَمْ" وتحصين السلامة الشخصية على حساب المصلحة العامة (2) ثقافة اللوم بدل ثقافة التقدير، فإذا نجح المسؤول في أداء عمله وتحقيق الأهداف، فإن مثل هذا النجاح لا يحظى بالاهتمام والتقدير. وبعكس ذلك، إذا أخطأ، حتى ولو كان هامش الخطأ بسيطا، يبدأ توجيه سهام النقد نحوه، ومن ثم إخضاعه للمحاسبة والتحقيق، ويصبح الخطأ وصمة عار قد تلاحقه سنوات (3) التطبيق السلبي الموروث للبيروقراطية، فجهاز الدولة الإداري قد تشكّل عبر عقود على قاعدة "انتظار التعليمات". ومثل هذه الذهنية المتجذرة تعمل على وأد روح المبادرة، ويصبح الموظف العام أقرب إلى "منفذ أوامر" منه إلى صانع قرار (4) الخوف من الإعلام والرأي العام، ففي عصر ثورة المعلوماتية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية الالكترونية، يتحول أي قرار قد اتخذ بطريق الخطأ خلال ساعات إلى قضية رأي عام حتى وإن كان الخطأ قد حدث بحسن نية، الأمر الذي يدفع المسؤول إلى تجنب المغامرة خوفا من التشهير أو الاستهداف.

ومما لا شك فيه، فإن وجود ظاهرة "الأيدي المرتعشة" تترك آثارها السلبية على المجتمع، والتي يصعب في كثير من الأحيان تجاوز نتائجها. فالإدارة المرتعشة تعمل على (1) استنزاف الاستثمارات، حيث تؤكد الدراسات أن من أبرز أسباب عزوف المستثمرين عن الاستثمار هو البطء في اتخاذ القرارات ومنح الموافقات. فالمستثمر يريد في نهاية المطاف سرعة الانجاز، لكنه يجد نفسه في مواجهة "إدارة مرتعشة" تماطل في اتخاذ القرار (2) تآكل ثقة المواطن بالمؤسسات العامة. فالمواطن اعتاد سماع جملة "المعاملة تحت الإجراء" أو "ننتظر التعليمات" ومثل هذا الأمر الذي يسبب الإحباط المتكرر لدى المواطن يضعف ثقته بأجهزة الدولة، وبحيث يشعر أن الجهاز الإداري عائق لا أداة خدمة (3) إهدار الزمن الوطني، فالدول لا تقاس ثروتها بالمال فقط، بل وبالزمن أيضا. وكل قرار مؤجل يعني أياما وأسابيع من التعطيل، وبالتالي نزيفا في الإنتاجية وفرص النمو (4) تراجع هيبة الإدارة، فحين يرى الموظف أن مديره متردد، فإنه يقتدي به. وهكذا تنتقل العدوى من رأس المؤسسة إلى قاعدة الموظفين، ليتحول التردد إلى ثقافة عامة تقتل أي محاولة إصلاح.

إن إرادة التغيير هي الخطوة الأولى باتجاه التحول نحو "إدارة جريئة ومسؤولة" ويكون ذلك من خلال: (1) إعادة تعريف المساءلة، إذ يجب أن تكون المساءلة مرتبطة بالنتائج والنية، وليس بالشكليات فقط. بمعنى وجوب التسامح مع من يخطئ بحسن نية وتوجيهه، ومعاقبة من يتعمد الفساد (2) سن التشريعات اللازمة التي تعمل على حماية القرار الإداري، إذ لا بد من تطوير قوانين واضحة تحمي المسؤول من تبعات القرارات الاجتهادية بهدف أن يكون قادرا على اتخاذ القرار بدل التسويف والمماطلة (3) تحويل الجهاز الحكومي إلى "مختبر ابتكار" بحيث يكافأ الموظف الذي يبادر، ولا يعاقب على الاجتهاد (4) تغيير الثقافة المؤسسية، إذ يجب الانتقال من عقلية "الخوف من اتخاذ القرار" إلى عقلية "المبادرة والإنجاز"، والتحرر من عقلية "انتظار التعليمات" (5) القيادة بالقدوة، فإذا كان الوزير أو الأمين العام ممن يتخذ قرارات جريئة ويتحمل نتائجها، فإن ذلك سيعطي إشارة إيجابية لكل موظف في الجهاز الحكومي.
الإدارة المرتعشة ليست فقط خللا إداريا، بل هي خطر وطني يهدد الاستثمار، والتنمية، وثقة المواطن بالدولة. والقرار المؤجل، في كثير من الأحيان، أخطر من القرار الخاطئ. فالأول يقتل الفرصة قبل أن تولد، بينما الثاني يمكن تصحيحه.
*رئيس ديوان الخدمة المدنية الأسبق / أمين عام رئاسة الوزراء الأسبق








طباعة
  • المشاهدات: 7738
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
31-08-2025 04:01 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
لا يمكنك التصويت او مشاهدة النتائج

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم