تشكل زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية أوزبكستان محطة بالغة الأهمية على المستويين السياسي والاقتصادي، لما تحمله من دلالات عميقة تتجاوز الطابع البروتوكولي التقليدي، إلى كونها رسالة واضحة حول مكانة الأردن وقيادته الهاشمية على الساحة الدولية، وقدرته على بناء تحالفات نوعية تُثري مصالحه وتفتح آفاقا جديدة أمام القطاعين العام والخاص.
وتحمل هذه الزيارة ابعادا سياسية واقتصادية، فالبعد السياسي يظهر حضور إقليمي متجدد للاردن، فالاستقبال الحافل الذي حظي به جلالة الملك في سمرقند لم يكن مجرد مشهد رسمي، بل كان تعبيرا عن تقدير إقليمي ودولي لشخصية قائد فاعل ومؤثر في قضايا المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. ويعكس هذا التقدير حرص الدول الصديقة – مثل أوزبكستان – على تعزيز التعاون مع الأردن انطلاقا من إدراكها للدور المحوري الذي يلعبه جلالة الملك في تعزيز الاستقرار الإقليمي، وتقديم خطاب عقلاني متزن في بيئة دولية مضطربة.
كما تؤكد الزيارة على أهمية تنويع الشراكات السياسية الأردنية خارج نطاق الدائرة التقليدية، ما يمنح السياسة الخارجية الأردنية عمقا أوسع في آسيا الوسطى، ويعيد إحياء الروابط التاريخية والثقافية بين العالم العربي والدول الإسلامية في تلك المنطقة.
اما البعد الاقتصادي فيتمثل بفرص حقيقية بحاجة إلى تفعيل، فعلى الرغم من العلاقات التاريخية بين الأردن وأوزبكستان، إلا أن الأرقام التجارية ما تزال دون الطموح. وهنا تأتي الزيارة الملكية لتمنح دفعة قوية للجانب الاقتصادي، عبر ما حملته من رسائل واضحة ومخرجات عملية، خاصة أن زيارة جلالته ستشهد توقيع اتفاقيات وبروتوكولات تعاون بين حكومتي البلدين، وتُعد هذه الخطوات بمثابة خارطة طريق جديدة للتعاون الاقتصادي، تتطلب متابعة حثيثة وتنسيقا مستمرا لترجمتها إلى مشاريع فعلية واستثمارات متبادلة.
وها يظهر جليا الدور الحكومي في تهيئة البيئة وتذليل العقبات، ما يتطلب البناء على نتائج الزيارة تحركا رسميا سريعا لتهيئة البيئة التشريعية والإجرائية الداعمة للتبادل التجاري، وأبرزها: تسهيل حركة البضائع من خلال دراسة إمكانية إنشاء خطوط نقل بديلة، خاصة في ظل غياب خطوط طيران مباشرة بين البلدين، إزالة الحواجز الجمركية والإدارية عبر اتفاقيات ثنائية تحفز التبادل وتقلل من الكلف، تشجيع الاستثمار المشترك بإنشاء مشاريع ثنائية أو مناطق صناعية مشتركة، خاصة في المجالات ذات القيمة المضافة.
كما أن على السفارات الأردنية في آسيا الوسطى – وخصوصا في طشقند – أن تلعب دورا محوريا في تسويق الفرص الاقتصادية الأردنية، وبناء قاعدة بيانات دقيقة حول الأسواق المستهدفة، ما يساهم في تقليص فجوة المعلومات بين الفاعلين الاقتصاديين في البلدين.
أما الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة، فهو على القطاع الخاص الأردني، باعتباره المحرك الفعلي لأي شراكة اقتصادية ناجحة. فقد كشفت لقاءات غرفتي تجارة الاردن وعمّان، وتصريحات رئيسها، عن وعي متقدم وإدراك عميق لحجم الفرص الكامنة في الأسواق الواعدة مثل أوزبكستان، التي تمتلك موارد طبيعية غنية، وقاعدة صناعية متطورة، إلى جانب حاجتها المتزايدة إلى سلع وخدمات ذات جودة، وهي مجالات يتفوق فيها الأردن بفضل خبراته وكفاءاته.
ويبدو أن القطاع الخاص الأردني مستعد للدخول في شراكات فعلية مع نظيره الأوزبكي، من خلال تحركات مدروسة تشمل تنظيم وفود تجارية، وتبادل المعلومات، واستكشاف الفرص على أرض الواقع، بما يُسهم في ترجمة مخرجات الزيارة الملكية إلى إنجازات اقتصادية ملموسة.
وتكمن أهمية دور القطاع الخاص فيما استكشاف السوق بشكل مباشر من خلال تنظيم الوفود التجارية وزيارات العمل الميدانية، تقديم المنتجات الأردنية في معارض وفعاليات اقتصادية في أوزبكستان، إقامة شراكات استثمارية وتنموية، خاصة في مجالات الزراعة والتصنيع الغذائي والدواء والسياحة.
ومن أجل البناء العملي على مخرجات هذه الزيارة الملكية، فإن هناك جملة من التحركات والتوصيات التي من شأنها تحويل الفرص إلى إنجازات ملموسة. أولى هذه الخطوات تتمثل في تحويل مذكرات التفاهم الموقعة إلى برامج تنفيذية واضحة ومحددة زمنيا، بإشراف مشترك من الجهات الرسمية وغرف التجارة في البلدين. كما تبرز الحاجة إلى إنشاء لجنة متابعة أردنية-أوزبكية تضم ممثلين عن القطاعين العام والخاص، لتنسيق الجهود وتجاوز التحديات التي قد تعيق التعاون الثنائي.
كذلك، فإن إطلاق منصة معلومات اقتصادية مشتركة من شأنه أن يوفّر قاعدة بيانات دقيقة حول الفرص التجارية والاستثمارية، ويسهل التواصل بين الشركات ورجال الأعمال. وعلى صعيد آخر، يُعد ترويج السياحة المتبادلة، خصوصا السياحة الدينية والعلاجية، أداة فعالة لتعميق العلاقات بين الشعبين وتنشيط قطاع حيوي يعوّل عليه كثيرا.
أما من الناحية اللوجستية، فإن البحث في إنشاء خط شحن جوي أو بري بديل سيكون خطوة محورية لتعزيز انسياب السلع والخدمات، خاصة في ظل غياب خطوط طيران مباشرة بين البلدين. هذا النوع من الإجراءات التكاملية هو ما سيحول الزيارة من محطة دبلوماسية إلى انطلاقة اقتصادية حقيقية.
إن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى أوزبكستان لا تُعد فقط محطة دبلوماسية بارزة، بل تُشكل فرصة استراتيجية ينبغي البناء عليها من خلال أدوات مؤسسية واقتصادية مدروسة. فالرؤية الملكية الواضحة لفتح نوافذ جديدة أمام الاقتصاد الأردني، تحتاج إلى حُسن استثمار من الحكومة، وديناميكية ومبادرة من القطاع الخاص، لضمان تحويل هذه الفرص إلى إنجازات ملموسة تخدم مصالح المملكة وتُعزز مكانتها بين دول الإقليم والعالم.
الخطيب يكتب: زيارة جلالة الملك إلى أوزبكستان: أبعاد استراتيجية ودعوة لتفعيل الدور الاقتصادي الأردني
منذ 1 سنة
المشاهدات :
9313
العقيد المتقاعد محمد جميل الخطيب
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
02
03
04
05
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
الطورة يكتب: تسعيرة المحروقات .. صندوق أسود وامتحان لجيب الأردني
منذ 7 ساعات
كُتاب سرايا
الباشا هاني العويدات يكتب: التعدي على الحيوانات الأليفة جريمة يرفضها الدين ويحاسب عليها القانون
منذ 8 ساعات
كُتاب سرايا
وزير المياه الأسبق معتصم سعيدان يكتب: السيطرة الاسرائيلية على جغرافيا مياه اليرموك .. مشروع الحكم الذاتي الدرزي، والأمن المائي الأردني؟
منذ 9 ساعات
كُتاب سرايا
المهندس محمد المبيضين يكتب: العقبة الخاصة وتداعيات الإقليم .. من إدارة الأزمة الى إدارة الفرصة
منذ 10 ساعات
كُتاب سرايا
الطراونة يكتب: هل يمكن العودة للأجندة الوطنية الأردنية في ظل التحديث الاقتصادي والسياسي
منذ 12 ساعة
أخبار فنية
فن
في ذكرى رحيل أحمد رمزي .. كيف غيرت صداقته بعمر الشريف مسار حياته؟
منذ 1 ساعة
فن
سقوط مادونا في حفل VMAs يثير الجدل .. حادث أم تمثيل؟
منذ 5 ساعات
فن
شيرين رضا تكشف سبب عدم إنفاقها على ابنتها نور
منذ 6 ساعات
فن
إسعاد يونس تفاضل في الظهور الرمضاني بين دينا الشربيني ومحمد رمضان
منذ 14 ساعة
فن
ظهور جديد لابن ميريام فارس الصغير .. وتسريحة شعره تثير تفاعل الجمهور
منذ 15 ساعة
أخبار رياضية
رياضة
ريال مدريد وبرشلونة يتوصلان إلى تسوية في قضية تشهير
منذ 2 ساعة
رياضة
من مبابي إلى محمد صلاح .. لعنة المنتخبات الوطنية تضرب نجوم العالم
منذ 2 ساعة
رياضة
برشلونة خامس أكثر أندية الليغا ركضا .. وريال مدريد يتذيل القائمة
منذ 4 ساعات
رياضة
الإسباني توريس مديرًا فنيًا للحسين إربد
منذ 5 ساعات
رياضة
رسالة واتساب تكشف كواليس جديدة وراء مغادرة محمد صلاح معسكر مصر
منذ 6 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
أمريكية تحتفل بعيد ميلادها الـ116 .. والعلماء يفسرون طول عمرها
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
تكلفته بـ10 ملايين دولار .. زفاف محامية ترمب السابقة وملياردير تركي
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
رصاص وفرار على دراجة نارية .. جريمة قتل تهز (الضاحية الجنوبية) ببيروت
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
موجة غضب تجتاح تونس .. اعتداء وحشي يُدخل قاصراً العناية المركزة
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
بعد 87 جراحة ومعاناة 26 عامًا .. تبرّع ينقذ كولومبية من "الموت الرحيم"
منذ 2 ساعة
الرجاء الانتظار ...
التعليقات