في التاسع من حزيران، لا نحيي ذكرى جلوس ملك على العرش فحسب، بل نستحضر قصة دولة قاومت أن تكون رقمًا في قوائم الفشل، وتمسّكت بأن تكون وزنًا سياسيًا في ميزان العالم، لأن على رأسها كان هناك رجل اسمه عبدالله الثاني ابن الحسين. ستة وعشرون عامًا مرّت منذ أن تولّى جلالته سلطاته الدستورية، كانت كافية ليكتب خلالها فصلًا فريدًا في فن الحكم، لم يرتكز إلى التوريث فقط، بل إلى الشجاعة في اتخاذ القرار، والقدرة على قراءة الواقع كما هو، دون مكابرة ولا إنكار.
لم يكن المشهد سهلًا، لا في بدايته ولا في مفاصله الكبرى. الملك الشاب الذي ورث حكم بلد محاط بالحرائق، واقتصاد مثقل بالعجز، وشارع يئن تحت وطأة التحديات، لم يختر التراجع ولا الانتظار. بل اختار أن يقود بنفسه، أن يشقّ طريق الأردن بين ركام المنطقة، بسياسة اتزان لا تنحاز إلا لمصلحة الوطن، وبدبلوماسية لا تُشترى، وبمواقف لا تضعفها الضغوط ولا تستميلها المحاور. لم يكن الأردن يومًا تابعًا، ولا امتدادًا، بل كان تحت قيادته مركزًا للقرار العاقل، ورأس جسر بين التناقضات، ونقطة توازن في محيط فقد بوصلته.
في السياسة، بقي صوت جلالة الملك الأعلى في الدفاع عن فلسطين، لم يُغيّر موقفه رغم تبدّل الإدارات، ولا بدّل لهجة خطابه رغم هبوب الرياح العاتية نحو التطبيع غير المتوازن. لم تكن القدس بالنسبة له ورقة تفاوض، بل مسؤولية تاريخية وأمانة هاشمية. وفي الاقتصاد، خاض معركة صامتة وطويلة في وجه التحديات البنيوية، وأصرّ على الإصلاح الهيكلي رغم قلة الموارد وكثرة الضغوط، مؤمنًا أن اقتصاد الدول لا يُبنى بالشعارات، بل بالرؤى والاستثمار في الإنسان والعقل والإنتاج.
أما في الداخل، فقد اختار الطريق الأصعب: أن يحدّث المنظومة السياسية دون أن يهدمها، أن يدفع نحو العمل الحزبي المنظم دون أن يفرضه، وأن يعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة عبر منظومة تشريعية ودستورية، تسعى إلى ترسيخ التعددية لا تفكيك الوحدة. لم يساوم على الأمن، لكنه لم يقايضه بالحريات، فحافظ على صورة الأردن كدولة آمنة، مستقرة، قادرة على الصمود دون أن تتحول إلى دولة أمنية خانقة.
الملك لم يكن قائدًا محايدًا. كان حارسًا للهوية الوطنية، مدافعًا عن المؤسسات، قريبًا من الناس، حاضرًا في الميدان، منفتحًا على الشباب، متمسكًا بثوابت الدولة الأردنية كما أرادها المؤسسون، وكما حلم بها الشعب. لم يبحث عن المجد الشخصي، بل عن استدامة الكيان. لم يستغل الموقع، بل حمّل نفسه مسؤولية أن يبقى هذا البلد كما عهدناه: حرًا، أبيًا، مستقل القرار، نقيّ الوجه في زمن التشوّه الإقليمي.
وفي كل لحظة مفصلية، كان الملك هو المرجع. حين صمت العالم عن القدس، تكلّم. حين ضعفت العواصم، ثبت. حين اشتدت الأزمات، مدّ يده لأبناء شعبه، لا ليعظهم، بل ليكون معهم. وحين خيّرتنا الخيارات الصعبة، اختار الأصعب: أن نحيا بكرامة ولو بأقل الإمكانيات، على أن ننحني تحت أي وصاية أو هيمنة أو مساومة.
في عيد الجلوس الملكي، لا نكتب من باب المجاملة، بل من موقع الإدراك العميق أننا نعيش في دولة نجت من الانهيارات المتكررة ليس بالحظ، بل لأن على رأسها رجل امتلك الوعي والخبرة والإرادة. رجل لم تتغير نبرته رغم تغيّر العالم، ولم يرهق الأردنيون يومًا في تتبّع موقفه، لأن البوصلة كانت دائمًا واضحة، والسيادة كانت دائمًا غير قابلة للتفاوض.
ستة وعشرون عامًا لم تكن فقط فترة حكم، بل مدرسة في القيادة والتوازن والشجاعة. مدرسة عبدالله الثاني الذي لم يكن مجرد ملكٍ يجلس على عرش، بل صانع رؤية، ومهندس سياسات، وحارس وطن.
كل عام وجلالته بخير، وكل عام والأردن صامد، شامخ، عصيّ على الانكسار.
النائب زهير الخشمان يكتب: في عيد الجلوس الملكي… نكتب للتاريخ لا للمجاملة.
منذ 1 سنة
المشاهدات :
7585
النائب الكابتن زهير محمد الخشمان
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
الأردن اليوم
مهم من "القبول الموحد" للناجحين في التوجيهي بشأن فتح باب التقديم للجامعات الرسمية
منذ 6 أيام
02
الأردن اليوم
العين القضاة: متسولة تجمع 30 ألف دينار من التسول .. ثم تُقتل على يد ابن شقيقتها
منذ 6 أيام
04
الأردن اليوم
"قالي يا بابا في سمكة رح تاكلني في البحر" .. فاجعة غرق الطفل إبراهيم المجالي تهز الأردن .. فيديو
منذ 6 أيام
05
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
فيصل تايه يكتب: الحقول الأربعة في نظام المسارات .. ماذا تعني للطالب وإلى أين يمكن أن تقوده؟
منذ 18 دقيقة
كُتاب سرايا
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: المغرب يصنع السيارات: نموذج عربي مختلف !
منذ 21 دقيقة
كُتاب سرايا
العمارات يكتب: سيل الخريجين .. وسلعنة التعليم ما بين البطالة وحاجة سوق العمل
منذ 46 دقيقة
كُتاب سرايا
ماهر البطوش يكتب: مجرد الاحتفاظ بالمحتوى جريمة يعاقب عليها القانون
منذ 1 ساعة
كُتاب سرايا
د. محمد أبو حمور يكتب: الأردن بين الصين وأوروبا
منذ 1 ساعة
أخبار فنية
فن
محمد عطية يرثي والدته بكلمات مؤثرة: حملتها للمرة الأخيرة
منذ 1 ساعة
فن
أنباء عن إصابة محمد منير بوعكة صحية ومدير أعماله يزيد الجدل
منذ 1 ساعة
فن
آن هاثاواى تكشف أكثر ما ستفتقده فى مذكرات أميرة بعد غياب جولى أندروز
منذ 8 ساعات
فن
أغنية لـ جانيت جاكسون غيرت حياة ماثيو ماكونهى
منذ 8 ساعات
فن
فيلم 7Doogs الأعلى مبيعا في تاريخ السينما العربية
منذ 11 ساعة
أخبار رياضية
رياضة
ما حقيقة اعتناق روبرتو كارلوس الإسلام؟
منذ 1 ساعة
رياضة
الأردن يحصد 5 ميداليات في بطولة آسيا للياقة البدنية الوظيفية
منذ 1 ساعة
رياضة
الرمثا يبحث ترتيبات الموسم الكروي مع وحدة أمن الملاعب
منذ 2 ساعة
رياضة
الاتحاد بطلا للدوري النسوي تحت 14
منذ 2 ساعة
رياضة
أول رد فعل من صديقة كريستيانو رونالدو السابقة بعد زواجه
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
منوعات من العالم
أين اختفت ميلانيا ترامب؟ .. تقرير يكشف سر غيابها عن البيت الأبيض
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
"كاميرات مراقبة" .. جدل حول خصوصية السيارات المستأجرة في المغرب
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
كيلو اللحم بـ100 ألف دينار .. قفزة أسعار السجون تستدعي تحقيقاً عاجلاً في بغداد
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
"وعاء طهي" ينهي حياة رجل في الإسكندرية إثر مشادة مع زوجته
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
"أغنية البجعة" .. لماذا قرر شقيق الأميرة ديانا إعادتها للحياة؟
منذ 2 ساعة
الرجاء الانتظار ...
التعليقات