تهاني روحي تكتب: هل آن الأوان ليعتمد المجتمع المدني على نفسه؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 5340
تهاني روحي تكتب: هل آن الأوان ليعتمد المجتمع المدني على نفسه؟
تهاني روحي

تهاني روحي

لم تعد الأزمات طارئة على شرق أوسطنا المبتلى، بل وللأسف كأنها أصبحت جزءا من منظومتنا الحياتية، وبالرغم من كل الصعوبات المصاحبة لها وتبعاتها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، إلا أنها اكسبتنا بصيرة أعمق، ورؤية واضحة في التكيف والمرونة، ولم يعد السؤال: كيف نستجيب؟ بل هل نحن مستعدون فعلًا؟


هذا السؤال كان خلال الحوار الوطني الذي نظمته منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) بالشراكة مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة، حيث عرضت م. زينب الخليل، مديرة البرامج في أرض، تجربة شبكة تواصل كمنصة لتعزيز جاهزية المجتمعات المحلية في مواجهة الأزمات. وفي المقابل، عكست مداخلات قيادات محلية مشاركة في الشبكة، من بينها د. حنان الخريسات، أهمية ألا تبقى منظمات المجتمع المدني في الجنوب مجرد متلقية للدعم، بل شريكة في التشخيص وصنع القرار وبناء الاستجابة. لقد أظهرت النقاشات أن المجتمع المدني، رغم حيويته، ما يزال يعتمد بشكل كبير على التمويل الخارجي، مما يجعله هشًا أمام تغير أولويات المانحين وتقلبات الدعم الدولي. وهنا تكمن الإشكالية: كيف يمكن لمجتمع يسعى إلى الصمود أن يبقى معتمدًا على مصادر غير مستقرة بطبيعتها؟
وبالرغم من أن تجربة «شبكة تواصل» تشير الى تحول مهم في التفكير، من الاعتماد إلى التمكين ومن دور تنفيذي مرتبط بالمشاريع، إلى دور قيادي قائم على الاستدامة. فالشبكة، كما يظهر في إطارها المؤسسي، ما تزال تسعى إلى تمكين المنظمات المحلية لتقود التغيير بنفسها، ببناء القدرات. وهذا التحول ليس بسيطًا. فهو يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين المجتمع المدني والتمويل.
ولعل ما يميز تجربة «تواصل» هو أنها لا تتحدث عن الاستدامة كمفهوم نظري، بل كمنظومة متكاملة فهناك حوكمة واضحة تضمن الشفافية والمساءلة ومشاركة فعلية للأعضاء في صنع القرار ، بالاضافة الى بناء قدرات مستمرة للمنظمات المحلية وتطوير خطط وسياسات طويلة المدى لإدارة الأزمات.
وتشير النتائج الملموسة في ارتفاع قدرات الجمعيات المؤسسية بنسبة 81 %، وتعزيز مهارات القيادة بنسبة 68 %—بأن الاستثمار في الداخل هو الطريق الأقصر نحو الاستدامة.
ويبقى السؤال الاهم لماذا لا يكفي التمويل الأجنبي بالرغم من أهميته القصوى؟ حيث لعب دورًا مهمًا في دعم المجتمع المدني في الأردن وفي المنطقة على مدار العقود الماضية، ولا يمكن إنكار ذلك. والتجربة أوضحت بأن التمويل كان هو الأساس الوحيد وليس أحد الأدوات. وما إن تعصف بنا أزمة، تتغير أولويات المانحين واستمراريتها مرهونة بالسياسة العالمية وهذا ما يجعل أي إنجاز مهددًا بالتوقف بمجرد انتهاء المشروع.
ما قامت به بعض التجارب المحلية كما ظهر خلال الحوار الوطني حول شبكة (تواصل) التي تنفذها منظمة (أرض) بالشراكة مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة هو الانتقال إلى نموذج قائم على المبادرات المحلية والشراكات الوطنية، وكذلك الاستثمار في المعرفة والخبرة وخلق قيمة مجتمعية مستدامة. أي أن المجتمع المدني لا يكون فقط متلقيًا للدعم، بل منتجًا للحلول.
قد يكون الطريق نحو الاستدامة أطول وأكثر تعقيدًا من الاعتماد على التمويل الخارجي، لكنه الطريق الوحيد القادر على بناء أثر حقيقي ومستمر، وتطوير نماذج تمويل محلية ، ناهيك عن تعزيز الثقة بين الفاعلين وإعادة تعريف دور المجتمع المدني كشريك استراتيجي لا منفذ فقط . لكن الاستمرار في الاعتماد الكامل على الخارج لم يعد خيارًا واقعيًا.
فالاستدامة هنا ليست مسألة تمويل فقط، بل اختبار لقدرة المجتمع المدني على امتلاك قراره، وبناء شرعيته من داخل المجتمعات التي يعمل معها. وعندما تصبح المنظمات المحلية شريكة في قراءة الواقع والاستجابة له، لا مجرد منفذة لمشاريع مؤقتة، يصبح الصمود فعلًا مجتمعيًا لا شعارًا تنمويًا.لأن المجتمعات القادرة على الصمود، هي التي تعرف كيف تبني نفسها، وتدير أزماتها، وتصنع مستقبلها.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم