في تطور دراماتيكي يهز أسس العدالة العالمية، أعلنت المجر رسميا تعليق تعاونها مع المحكمة الجنائية الدولية، وذلك إبان زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى بودابست. وفي خطوة موازية، صرحت بلجيكا بأنها لن تنفذ مذكرة التوقيف الصادرة بحق نتنياهو إذا زار أراضيها، رغم صدور أمر تنفيذي من المحكمة الدولية بالقبض عليه بسبب جرائم الحرب في غزة.
هذه التطورات ليست مجرد تقلبات دبلوماسية عابرة، بل هي ناقوس خطر يقرع في وجه العدالة الدولية، وإشارة على تآكل مبدأ المساءلة العالمية، وتنامي ظاهرة الإفلات من العقاب لمن يتمتعون بدعم سياسي دولي. السؤال الذي يطرح نفسه الآن، هو مدى قدرة الحكومة الإسرائيلية على تطويع مبادئ العدالة ودفع دول ذات سيادة للتراجع عن التزاماتها القانونية.
قدرة إسرائيل على التأثير في سلوك دول مستقلة تثير القلق. فمن خلال تحالفات استراتيجية، و تعاون أمني واستخباراتي، وشراكات اقتصادية متينة، وبدعم أمريكي لا يتزعزع، نجحت إسرائيل في فرض حضورها كقوة لا يجرؤ كثيرون على تحديها.
لقد أستغلت حكومة نتنياهو الانقسامات الجيوسياسية داخل أوروبا، مستفيدة من النزعات الشعبوية والمصالح الوطنية لبعض الدول لحماية مسؤوليها من الملاحقات القانونية.
إن انسحاب المجر من التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية يكرس واقعا خطيرا. فالعدالة الدولية لم تعد عمياء، بل باتت رهينة الحسابات السياسية. أما موقف بلجيكا، فيزيد الطين بلة، إذ يكشف كيف يمكن للعلاقات الدبلوماسية أن تتغلب على الالتزامات القانونية.
تأسست المحكمة الجنائية الدولية على أمل إنهاء عصر الإفلات من العقاب، بغض النظر عن المنصب أو الجنسية. لكنها تواجه أزمة مصداقية حقيقية اليوم، إذ إن تسييس قرارات التعاون مع المحكمة يضعف سلطتها، ويقوض قدرتها على تحقيق العدالة في قضايا كبرى مثل غزة وأوكرانيا والسودان.
وتقف المحكمة الجنائية الآن عند مفترق طرق. فهي لا تملك أذرعا تنفيذية وتعتمد كليا على تعاون الدول الأعضاء. ومع تآكل هذا التعاون تضعف فعاليتها يوما بعد يوم.
ما يحدث اليوم ليس معزولا عن تداعيات مستقبلية خطيرة. فإذا استطاع زعماء اليوم الذين يُشتبه في ارتكابهم جرائم حرب أن يتنقلوا بحرية دون خوف من المحاسبة، فما الذي يعنيه ذلك لضحايا الحروب؟ وما هي الرسالة التي تصل إلى قادة المستقبل؟ أن بإمكانهم ارتكاب الفظائع دون خوف طالما أن التوازنات السياسية تحميهم؟
قضية نتنياهو كشفت هشاشة نظام العدالة الدولية، وأثبتت أن المحكمة الجنائية الدولية التي كانت يوما بارقة أمل للمظلومين باتت على حافة فقدان مصداقيتها وأهميتها. بالتالي على المجتمع الدولي أن يقرر،هل لا يزال يؤمن بمبادئ العدالة والمساءلة، أم أن منطق المصالح والقوة سيظل يطغى على الواجب الأخلاقي والقانوني؟
العالم يراقب، والتاريخ يُكتب الآن، ليس فقط في أروقة المحاكم، بل في صمت الدول التي اختارت السلطة على حساب المبادئ والإنسانية.
زهير عبدالله الشرمان
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
05
حديث المدينة
شركات تأجير السيارات السياحية تشتكي من ارتفاع أسعار التأمين وتطالب بالسماح بالتأمين ضد الغير
منذ 5 أيام
آخر الأخبار
مقالات منوعة
حسن جمال الطورة يكتب: هذا بيان للناس
منذ 11 ساعة
مقالات منوعة
الدكتور علي الصلاحين يكتب: حين لا تعود الطيبة كافية
منذ 22 ساعة
مقالات منوعة
نوفل يكتب: انهاء الحرب و ممارسة الضغط الاقتصادي على ايران
منذ 23 ساعة
مقالات منوعة
عمر الدريني يكتب: الإدارة المدرسية بين المنصب والرسالة
منذ 23 ساعة
مقالات منوعة
د. آدم توفيق العماوي يكتب: عبد الرؤوف الروابدة في الجامعة الأردنية
منذ 23 ساعة
أخبار فنية
فن
عمرو مصطفى يصدر بيانًا قانونيًا بشأن حقوق ملكية لحن «طب ب بحبك»
منذ 6 ساعات
فن
حاتم صلاح يُرزق بمولوده الأول ويطلق عليه اسم فريد
منذ 6 ساعات
فن
زين عبيد نجم «ذا فويس كيدز» يحتفل بخطوبته في سوريا
منذ 8 ساعات
فن
ليدي غاغا تستقبل مولودها الأول سرا
منذ 10 ساعات
فن
محمد رمضان يدخل سوق العطور بعلامته الخاصة من ميلانو
منذ 14 ساعة
أخبار رياضية
رياضة
انتفاضة ميلان تحرم لاتسيو من فوزه الرابع
منذ 9 ساعات
رياضة
تعادل سلبي بين الوحدات والسلط في دوري المحترفين
منذ 9 ساعات
رياضة
استعراض هلالي يمزق شباك التعاون بسداسية قاسية
منذ 9 ساعات
رياضة
إنجاز تاريخي لبرشلونة ضاع نتيجة موقف "الضفادع"
منذ 11 ساعة
رياضة
الرمثا يهزم العربي بدوري المحترفين لكرة القدم
منذ 11 ساعة
منوعات من العالم
منوعات من العالم
ليست مجرد مجاملة .. ماذا تكشف كلمة "شكراً" عن صحتك النفسية؟
منذ 5 دقائق
منوعات من العالم
أمريكا تعلن انتهاء تفشي داء السيكلوسبورا
منذ 6 دقائق
منوعات من العالم
3 أشخاص في العالم يمكنهم السفر دون جواز .. من هم؟
منذ 7 دقائق
منوعات من العالم
وسط أجواء سيئة .. فقدان الاتصال بعبارة إندونيسية (فيديو)
منذ 9 دقائق
منوعات من العالم
وفاة بلوغر مصرية بعد سقوط مروع في حادث غامض
منذ 6 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات