نعود للحديث عن الهوية وقد أصبح الموضوع ذو شجون مؤخراً، فنقول - بعيداً عن فذلكات علماء النفس وعلماء الإجتماع – إن الهوية المشتق لفظها من الضمير "هو" تعني مجمل السمات التي تميز شيئاً عن غيره، أو شخصاً عن غيره، أو مجموعة عن غيرها، أما المصطلح المتداول حالياً فيعني مزيج من الخصائص الاجتماعية والثقافية التي يشترك بها الأفراد، ويمكن على أساس ذلك التمييز بين مجموعة وأخرى، وضمن هذا الفهم يمكن أن تكون لعشيرة معينة ضمن قبيلة معينة هوية تميزها عن غيرها من عشائر القبيلة، والقواسم المشتركة للهويات الفرعية لمجموعة العشائر تشكل هوية جامعة للقبيلة ..... وهكذا نقيس كلما اتسعت الدائرة حتى نصل إلى الهوية الجامعة للشعب أو الأمة، والهوية بموجب هذا التعريف تشكل مفهوماً ديناميكياً متحركاً بسبب التداول المستمر للثقافات والأفكار بين الشعوب والأمم، وهو ما عبر عنه المفكر محمد عابد الجابري عندما قال بأن هوية أية أمة أو مجتمع ليست أمراً سرمدياً أو ثابتاً ....
وبالعودة إلى السياق المحلي حيث يستعر النقاش حول الهويات الفرعية منها والجامعة، وأن تعديلاً معيناً على قانون الإنتخاب قد يمس بالهوية الوطنية للدولة، نقول بأن الدولة ككيان يضم كل مواطنيها لا هوية لها، فالهوية للمجموعات والشعوب وليس للدول، فدول أوروبا الشرقية بعد عام 1990 شهدت تغييرات جوهرية في أنظمتها الإقتصادية والاجتماعية والسياسية، إلا ان ذلك لم يغير قيد أنملة من هويات شعوبها، ونضيف هنا أن شعوب الدول الكبيرة التي تضم كل منها العديد من الأعراق والإثنيات والتي تختلف في الكثير من صفاتها لا يجمعها إلا الانتماء إلى أرض واحدة وتاريخ واحد وتطلعات مشتركة ....
إن التقدم المعرفي والتكنولوجي الهائل وسهولة التواصل بين الامم والشعوب والاطلاع المتبادل على الثقافات إضافة إلى التغير الجوهري في سمة العصر، جعل الهويات الوطنية وخاصة ما يتصل بالمحتوى الاجتماعي والثقافي تتخلي تدريجياً عن سماتها المحلية، إضافة إلى تراجع كبير في دورها وفي أهميتها، واصبحت الشعوب تتميز عن غيرها بما تنتج وتساهم في رفاه البشرية، فسيارات "المرسيدس" في ألمانيا وأجهزة الخلوي "سامسونغ" في كوريا وماركات العطور والأزياء الفرنسية وماركات "الجينز" الامريكية أصبحت علامات تميز الشعوب التي تنتجتها اكثر من أزيائها الوطنية ومأكولاتها الشعبية ....
أما محلياً فقد أخذت السمات المميزة للمجموعات والمناطق المختلفة بالتغير، فعلى صعيد ملابس النساء فقد اختفت "المدارق" والأثواب الفلاحية والبدوية التي كانت أمهاتنا ينفقن الوقت الطويل في تطريزها وإنتاجها وكانت تختلف وتتمايز من منطقة إلى أخرى، وحلت مكانها الجلابيب أو الملابس الأوروبية وكذلك حصل مع ملابس الرجال، حتى الأسماء التي نحملها تغيرت كثيراً، فقد اختفت إلى غير رجعة أسماء جداتنا من مثل وصايف ومشخص ووطفه واستبدلت بسيلين وتاليا وبانا، وللذكور لم نعد نسمي أبناءنا زعل ومتعب ومفضي فحل مكانها شادي وفادي ووسام، أما على صعيد الماكولات فقد حلت البيتزا والسباغيتي والفوتوشيني مكان المجللة والمكمورة والجريشة، أما عن لهجات المناطق فحدث ولا حرج، فبناتنا ولله الحمد من كافة المنابت والأصول أصبحن يتحدثن بلهجة هجينة فيها من الكلمات اللبنانية والدمشقية والمصرية وحتى الاجنبية الشيء الكثير، من مثال "فِيُّو" بدلاً من "فيه" و"إزا" بدلاً من إذا و"مرسي" بدلاً من شكراً والقائمة تطول، أما عن طقوس الاعراس فقد بدأت حفلات الدبكة والسامر والتي كانت تستغرق عدة أيام بالتراجع لصالح ساعة أو ساعتين في قاعة أو مزرعة واختفت اغانينا واهازيجنا الشعبية والتراثية وسادت بدلها أغاني عمرو دياب وأليسا ونانسي عجرم .... هذا ما عاصرناه وشاهدناه بأم أعيننا فكيف سيكون الحال بعد خمسين أو مئة عام من الآن .... ويأتيك من يتحدث عن ضرورة المحافظة على الهوية الوطنية وحمايتها من الذوبان ......
لم يعد يهم المواطن العادي كثيراً موضوع الهوية والجدل الدائر بشأنها، فقد أصبح تأمين مستلزمات الحياة الكريمة هو الاولوية القصوى أما الهوية المحلية الفرعية أو الوطنية الجامعة فلم تعد ذات قيمة مقابل "بطاقة الهوية" التي نحملها في جيوبنا وتميزنا عن غيرنا بإسم وصورة ورقم وطني.... وحتى هذه الهوية ستختفي أيضاً وستحل محلها "الهوية الرقمية" قريباً..
المهندس عادل بصبوص
إقرأ ايضاَ
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
03
04
05
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
فضيلة المحامي الشرعي حمزة أمين الخطاطبة يكتب بذكرى الإستقلال: ( الإستقلالُ الثمانون )
منذ 16 ساعة
كُتاب سرايا
يوسف قطيش يكتب: النشامى .. قصة وطن طموح يكسر التوقعات على أعتاب المونديال
منذ 16 ساعة
كُتاب سرايا
العدوان يكتب: بين هدنة هرمز وتعقيدات النووي .. لماذا ما يزال الاتفاق الأمريكي الإيراني بعيداً؟
منذ 23 ساعة
كُتاب سرايا
م. هيثم المجالي يكتب:" التهنئة بروح الولاء
منذ 23 ساعة
كُتاب سرايا
الْمُسْتَشَارُ أَبُو دَامِس يكتب: إِسْتِقْلَالُ الْأُرْدُنِّ ظَاهِرٌ لِلْعِيَانِ :::
منذ 1 يوم
أخبار فنية
فن
سر أخفته 10 سنوات .. آن هاثاواي تصدم جمهورها بمرض خطير أصابها
منذ 5 ساعات
فن
أحمد العوضي: لم أتراجع عن وعد الزواج .. وسأعلنه قريباً
منذ 5 ساعات
فن
محمد هنيدي يؤدي مناسك الحج مرددًا: لبيك اللهم لبيك
منذ 6 ساعات
فن
محمد شاكر يستقبل طفله الأول "فضل" .. إليكم التفاصيل
منذ 18 ساعة
فن
الدكتورة يومي تعلن حملها رسميا بفيديو طريف
منذ 18 ساعة
أخبار رياضية
رياضة
الأمير علي يدعو مصابي المنتخب لمؤازرة النشامى في المونديال
منذ 48 دقيقة
رياضة
اتحاد كرة القدم: النشامى بالأبيض أمام الأرجنتين والنمسا وبالأحمر أمام الجزائر
منذ 51 دقيقة
رياضة
ميسي يعاني من إجهاد عضلي وتاريخ عودته غير مؤكد
منذ 1 ساعة
رياضة
نصار: توجيه دعوة للاعبي المنتخب المصابين لمؤازرة النشامى في كأس العالم
منذ 1 ساعة
رياضة
موسى التعمري يقود 4 ركائز لمنتخب النشامى في المونديال
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
كيف تكشف كاميرات التجسس بغرف الفنادق والشاليهات والشقق المفروشة؟
منذ 25 دقيقة
منوعات من العالم
السعودية: اكتمال تصعيد جميع الحجاج إلى مشعر عرفات
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
من أروقة "الشاباك" إلى صداقة "ديان" .. قصة البطل الفلسطيني عبد الرحيم قرمان
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
موجة حر مبكرة غير مسبوقة في فرنسا نتيجة قبة حرارية
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
موجة الحر غير الاعتيادية تستمر يوما آخر في أوروبا وتودي بحياة 7 في فرنسا
منذ 5 ساعات
الرجاء الانتظار ...