سرايا - قبل أن يمضي بنا الدكتور فهمي جدعان برفقة (طائر التَّم)، يعلنُ أن هناك أربعةُ أوتادٍ
تشدُّ أطناب السؤال الماثل في ضُحى حصيلة العقود السبعة التي تغذي هذا السِفّرَ
المبين، والسؤال يستفهم–مستنكراً بالذي جعل جدعان يدير الحرفَ على الفن والإبداع -،
بعد أن نأى بعيداً عن هذا المضمار ليماهي تخوم الفكر والفلسفة والذهن المجرد؟ فيبدأ
بالوتد الأول: ليغرسه بين صخرتين معنوناً إياه أن الذهنية الخالصة أدركت نهاياتها عند
بعض القوم، والوتد الثاني: أن العقل الجاف يتنقل بين العالم بكل تمظهراته والإنسان
ببعده الأنطولوجي، ولكنهما ينأيان بنفسيهما بعيداً حتى يجيء الأدب والفن يصافحهما
بكل يسر وتؤدة، أما الوتد الثالث: فهو مركوز في أن سردية العقل لا تفضي لشيء صلب
وحدها،?فكان الفن والإبداع يترسَمُ الطريق لَهُ مُولياً ظهره لكل تشدقات الفلاسفة، بينما
الوتد الرابع: فهو الذي يعلن التمرد على مملكة العقل متسلحاً بتلك النطفة التي تنقر
في جدار العقل مستمدة هذه النقرة من كينونة الإنسان ذي الأبعاد الكثيرة.
ومن هذه الأربعة يأخذنا (طائر التَّم) بتطوافٍ في خمسة أسفار، عتبتها أما قبل (قبل
الكلام) ثم ينهدُ الكتاب في أربعمئة وتسع وستين صفحة من القطع الكبير في حلة
قشيبة تصدر عن الدار الأهلية في عمان2021 فيحمل السفر الأول: «عين الغزال»، والسفر
الثاني: «الحجارة الرطبة»، والسفر الثالث: «الضفة اليسرى»، والسفر الرابع: «فيليا»، والسفر
الخامس: «طائر التَّم يفقد الرضا».
وينطلق طائر التَّم مُحلقاً محمولاً في رحلته على إحدى عشر مزية، الأولى: التفاصيل التي
تحملك على حبس أنفاسك، في مشهدية تضيء ولو لم تمسسها نار؛ فالخروج من الأرض
والمكوث في الخيمة والجلوس في قاع السفينة لبلوغ مدن الأنوار. والمزية الثانية: دروس
من خبير عاش وعايش كيف يسير بالطين على باطن رجليه وهو زغب الجناح حتى
يصغي لحروفه العظيمة عبدالرحمن بدوي، بل ويحمل على أكف الرضا أن بلغه أن البدوي
سعيد به أيما سعادة، والمزية الثالثة: وفاء وإنصاف مع غيض يُكتمه الطائر في غير موضع
.
ثم يمضي بنا في المزية الرابعة: التي تريك كيف يحاول أن يتمثل ما ينظر له في لقاءاته
وكتبه ومباوحاته، فموقفه من «معركة الكرامة» تأخذ جانب الرضا بالنصر؛ لأنها عدالة
انتزعها الجيش الأردني من بين براثن الصهاينة، وهنا نجد المزية الخامسة: تلك التي لا
يمكن أن يتخلى عنها الطائر، منذ أن كان في مدرسة المخيم في سوريا، وحتى تدوينه
لهذا السفر العظيم؛ وهي اللغة التي تبين عن محفوظ أنيق، ولغة تستجلب السعادة
للقارىء، والرضا للسامع.
أما المزية السادسة: تلك النفس اللوامة التي يحملها الطائر بين جنبيه ولا أدل عليها من
الضيق الذي سكن روحه في قصته مع العائلة الفرنسية (بورتا) وكيف أنهما احتفلا
بجدعان بما يليق به وبهم، وعندما أراد أن يبادلهم الود والفضل والأنس، فدفع إليهم
عصا فرعونية من خشب «الأبنوس» المُرصع بالفسيفساء، وهنا تبدلت معالم وجه مسيو
وانتقلت قسماته من الرضا إلى السخط، ومن الهدوء إلى الضجر، فتدخلت مدام «بورتا»
ولطفت الجو ببعض القول الأنيق، وانفض المجلس والهاجس المخيف والمقلق يعصف
بالدكتور جدعان، وبعد انقضاء النهار وقد حملته مدام «بورتا» بسيارتها إلى المترو نظرت
إلى فهمي واعتذرت منه، موضحة أن أي ذكرى من مصر تحمل لهم شيئاً مُرعباً؛ لأن لهم
تجربة مع أحد اصدقاء ابنتهم لم تكن ذات خير وسكينة، وهنا، قدم جدعان اعتذاره على
قلق وامتعاض؛ لأنه ما قصد الإساءة؛ بل أن يكون لطيفاً وودوداً كما كانوا هم معه،
وتفهمت هي هذا العذر، ولكن الأمر كان على ما ترى وهي تعذر ضيقه.
أما المزية السابعة: التي ترفل بها هذه السيرة فذاك الود للطلبة والأصدقاء والأساتذة
الذي كان مشروطاً بذكره في السيرة أن يكونوا على علم مكين في ميدانهم، ولطف
في التعامل معه، وتصالح مع قضايا الأمة، وهذا قد توزع في الكتاب كثيراً، بل وتجد أن
ضيقه قد استبد به عندما بلغه وفاة الدكتور عبد الرحمن بدوي، وقد كان راغباً في أن يمد
له يد الامتنان بكتابة دراسة عنه وعن أعماله، فكان الأمر من خلال طالبة نجيبة في الكويت
عملت بحثاً عن عبد الرحمن بدوي ووجوديته، وكان المشرف عليها الدكتور جدعان وكان
مسرورا بهذه الرسالة؛ لأنها تعبر عن حالة من الوفاء الأنيق.
أما المزية الثامنة فهي التي تظهر جلية في ثباته على مبادئه والتي كانت صارخة عندما
طلب منه الملحق الثقافي العراقي عام 1989- عندما اتصل به- لكي يمثل لتقديم ورقة
في مؤتمر (المد الشعبوي) في بغداد وقد رفض د.جدعان الأمر بتجاهله بالكلية مع تحمل
كل التبعات، وهذا كان مع إصرار الملحق به بهذه اللهجة التي تظهر تحدياً صارخاً. أما
المزية التاسعة: فهي التي تظهر نقاء النفس وطهورية الخلق عند جدعان عندما اتهم
من خلال محمد سليم العوا بأنه السبب–أي جدعان–في خبر وفاة محمد الغزالي في
مؤتمر بالسعودية، وقد أظهر جدعان من خلال الشهور والتسجيل أن هذه فرية مضحكة،
والأمر ببساطة–كما?يخبرنا جدعان- أن الحديث لم يكن له، بل كان لغيره، وكان الشيخ
الغزالي الذي يحترمه ويحبه جدعان حاضراً، ولكن في لحظة القدر مال الشيخ على جنبه
ووافته المنية ودفن في البقيع بكل وضوح.
أما المزية العاشرة: التي تتجلى في هذا السفر المبين فتلك النظرة الثاقبة التي أولاها
د.جدعان للملك الحسين عليه الرحمة، وللفضل الذي طوقه به الأمير الحسن، وهذا كان
لافتاً في السفر أن د. جدعان يجد في أن الجامعة الأردنية لها في الوجدان موقع بل مواقع،
ولها الفضل من خلال أستاذها الكبير ناصر الدين الأسد، ولكن د. جدعان يتمسك بحبل
المودة ولو كان من طرف واحد.
أما المزية الحادية عشرة: فهو الفضل الذي أتاحه هذا السفر للأجيال المتوالية أن تتعلم
وتعرف كيف أن د. جدعان قد نهض من دياجير التعب والظلم إلى فضاءات الحب
والمعرفة، وأن العدل والحرية والمساواة هي التي تحتاج من الوقفات ونضال في عالم
يستبد به الخوف والجهل والظلم.
ومن يدقق النظر في هذه السيرة العظيمة يجد فيها قول بدوي الجبل الشاعر السوري
الكبير الذي قال
إقرأ ايضاَ
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
02
03
04
آخر الأخبار
ثقافة
بمشاركة أردنية ودولية .. وحضور السفيرة غنيمات تدشين جدارية فسيفسائية ضخمة احتفاءً بمئوية "سوق المعاريف" في الدار البيضاء
منذ 10 ساعات
ثقافة
توقيع كتاب «رُبَّما أنت هُنا» للكاتبة تمارا محمد في معرض عمّان الدولي للكتاب
منذ 18 ساعة
ثقافة
القطيشات يستعرض أمام قيادات حكومية محطات تطوير الأحوال المدنية والجوازات
منذ 18 ساعة
ثقافة
اللوحة التي لم تكن الأخيرة .. قراءة في قصيدة اللوحة الأخيرة لحميد سعيد
منذ 19 ساعة
ثقافة
توقيع كتاب «رُبَّما أنت هُنا» للكاتبة تمارا محمد في معرض عمّان الدولي للكتاب
منذ 1 يوم
أخبار فنية
فن
مسلسل «حب على ورق» الحلقة 77 .. أيهم يخطف لين ويهدد أوس
منذ 4 ساعات
فن
أنجلينا جولي تبيع قصرها التاريخي في لوس أنجلوس
منذ 5 ساعات
فن
تفاصيل إيقاف برنامج المذيعة شيرين الأطروش ومنع ظهورها
منذ 8 ساعات
فن
رسالة قصي خولي إلى ابنه فارس في عيد ميلاده
منذ 8 ساعات
فن
حقيقة مذكرة توقيف بيران داملا يلماز في ألمانيا .. محاميها يكشف التفاصيل
منذ 8 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
أنت أكثر لاعب لا أحبه .. مذيعة تصدم لامين جمال
منذ 1 ساعة
رياضة
لحظات مرعبة .. مقاتل يثير حالة من الذعر بفقدانه للوعي بعد السقوط
منذ 1 ساعة
رياضة
مدرب البرتغال يكشف سبب جلوس كريستيانو رونالدو على دكة البدلاء
منذ 1 ساعة
رياضة
الإمارات تعبر إلى نصف نهائي خليجي 27 بثلاثية أمام البحرين
منذ 3 ساعات
رياضة
بالفيديو : مذيع التلفزيون الأردني: قدمنا عرضاً مجانياً لنقل مباراة النشامى .. وسمر نصار رفضت العرض
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
5 جثامين وأسلحة نارية .. الشرطة المصرية تقضي على بؤرة فتوات الشيخ زايد
منذ 59 دقيقة
منوعات من العالم
هروب جماعي من مهنة الصيدلة في مصر .. ما الأسباب؟
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
دخلا حمام الفتيات بالخطأ .. تلميذان مصريان يلقيان مصيرا مروعا
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
عالمة عملت مع ناسا تزعم أنها ماتت 3 مرات ثم عادت للحياة
منذ 8 ساعات
منوعات من العالم
لماذا تظهر نفرتيتي بعين مفقودة؟
منذ 8 ساعات
الرجاء الانتظار ...