الكراهية وجلد الذات شعور سلبي يتنامى غالبًا في أوقات الانتكاسات، تتجلَّى فيه أعلى نسبة للإحباطات المتنامية جرَّاء الافلاس الناتج عن الهزائم النفسيَّة، والنجاح الزائف الهزيل. وبذلك فهو احساس سلبي ينبع من رغبة خفية بالتغلُّب على الاخفاقات ، ولكن ليس عن طريق المواجهة وإنما بالهروب منها ، وذلك لعجز الفرد عن إدراك مواطن قوَّته وضَعفه، فجلد الذات هنا سلاح العاجز، ومَطيَّة الفاشل، وسبيل الجبان.
ظاهرة غريبة اخذت تجتاح معظم وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي ،الا وهي ظاهرة محاولة البعض لا شاعة الكراهية وجلد الوطن ، فأصبحت ظاهرة متدحرجة متنامية ، بدأت تطفو وتظهر على السطح بشكل أكثر وضوحاً في زمن تداخلت فيه عوامل عدم استقرار الظروف السياسية وارتداداتها الاقتصادية والامنية لدول المحيط الاقليمي ، وما نتج عنها من انعكاسات ديموغرافية لموجات هجرة متتالية ، تزامن ذلك مع غلق للحدود ، وايقاف لحركة التجارة البينية ، فافتقدنا معظم الاسواق الخارجية ، ورحلت كثير من الاستثمارات الاجنبية والمحلية ، تنامت ظاهرة البطالة ، واتسعت دائرة الفقر ، وكادت ان تتلاشى نسب النمو الاقتصادي مع عجوزات دائمة للموازنة ، وتخمة غير مسبوقة في حجم المديونية العامة للدولة ( مع شح في الموارد وتعاظم لأفة الفساد) وتزامن ذلك كله مع تقلبات في المواقف المعهودة لذوي القربى الى وصلنا الى ما الت اليه ظروفنا الحالية وخاصة الاقتصادية منها ، عظمت الالتزامات ، وارتفعت كلف المعيشة فتأكلت المداخيل ، واستغل البعض تعقيدات هذه الاحداث لينقلب على الوطن ، فارخص لنفسه بممارسة الوصاية عن الاخرين ، واخذ بالتشكيك ونشر للإشاعة تارة ، وجلد الوطن تارة اخرى... بل واصبحت متعة لدى البعض أحياناً ، فليست من الوطنية (باعتقادي) المعارضة القائمة على التشويه والحط من انجازات الوطن ، وممارسة ابشع انواع النقد الظالم بحقه وشعبه فها هو يشتم وطنه ليلا ويعمل ضده نهارا لحدوث حادثة عابرة ، ولاقتناص فرصة او امتهان التسلق على ظهر الوطن طمعا لتحقيق غاية في نفسه ، وعليه فالكراهية خُلُق فاقد للإنسانية السوية ، وجلد الوطن لن يبني وطناً قوياً .
ان سلوك سبل الكراهية والتشكيك وجلد الاوطان انما هي النفق الوحيد والمظلم لمن لا يجيدون التعبير عن حبهم لوطنهم إلا من خلال فنون الكراهية (كراهية للأوطان والشعوب ، لا بل وكراهية للمواطنين الذين اختلفوا معهم )، وبذلك فهم فئة لا يمكن الاعتماد عليها في تعزيز بنيان الوطن، فالأوطان المبنية على الكراهية هشة في وجه التحديات( ولان الوطن كالبيت الصغير، فكيف لهذا البيت ان يبنى وينمو ويزدهر وافراد اسرته متباغضين متناحرين لأيامن بعضهم بعضا) وعليه فقد اصبح ناصعا لنا اولئك الذين يحاولون يائسين إثبات ان وطنيتهم لا ولن تكتمل إلا من خلال تخوين وتكفير وتجريم البعض (فهؤلاء هم الوطنيون المزيّفون) .
اما ان لنا لنفيق من غفوتنا لنرى الدهر كيف يقسو علينا ونحن نجلد بعصنا ووطننا !! لنتقي الله في هذا الوطن ، ولنتعاضد والخطوب محدقة به من كل حدب وصوب ، نعم ان الواجب يحتم علينا جميعا مقاومة نشر ثقافة الكراهية تحت أي ذريعة كانت ، (الكراهية المزيّفة سواء باسم الدين ، الوطن او باسم القبيلة) فهي سلوك مذموم في الماضي والحاضر والمستقبل ، فالأوطان اسمى من أن تكون عِصيّاً في أيدي السفهاء ، ولنقاوم دعاة الكراهية قبل أن يُثمر غرسهم حقدا وبُغضاً، فجلد الذات والتشكيك يجب أن ينتهي من حياتنا حتى نستطيع أن نتقدم ونتجاوز ما نعانيه من واقع حياتي صعب ( حقا اننا نعيش في عالم معقد فالإنسان حكم الطبيعة قبل أن يتعلم كيف يحكم نفسه ) اما ان لنا ان نتغنى بوطننا ونردد : " آه ، أي وطن رائع يمكن أن يكون وطني (الاردن) ، فلو صدق العزم وطابت النفوس وقل الكلام فيه وزاد العمل" ، " وكم هو جميل أن يموت الإنسان من اجل وطنه ، ولكن ما اجمل أن نحيا من اجل هذا الوطن" ، "واسال نفسي ما هو الوطن.. ؟ فيجيبني ليس سؤالا تجيب عليه وتمضي.. إنه الحياة والكرامة معاً ".
عندها يلهج فؤادي مستذكرا قول احدهم : "ومن لم تكنْ أوطانهُ مفخراً لهُ . . فليس له في موطنِ المجدِ مفخرُ . . ومن لم يبنْ في قومهِ ناصحاً لهم . . فما هو إِلا خائنٌ يتسترُ . . ومن كانَ في أوطانهِ حامياً لها . . فذكراهُ مسكٌ في الأنامِ وعنبرُ . . ومن لم يكنْ من دونِ أوطانهِ حمى . . فذاك جبانٌ بل أَخَسُّ وأحقرُ......" ودمت يا وطن الكبرياء والشموخ
أ.د غازي الرقيبات
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
04
05
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
د.هاشم محمود الزيود يكتب: عبد الله ابو رمان وجه الأردن
منذ 5 دقائق
كُتاب سرايا
الطراونة يكتب: المواطن الأردني شريكٌ لا يُوبَّخ
منذ 2 يوم
كُتاب سرايا
غرب آسيا على أعتاب التحول الكبير: الصين وباكستان ترسمان ملامح النظام الإقليمي الجديد
منذ 2 يوم
كُتاب سرايا
النسور يكتب: ‘القلق الملكي’ وهاجس الضفة الغربية حسين باشا هزاع المجالي
منذ 3 أيام
كُتاب سرايا
شاكر خليف يكتب: أبشِر .. ميثاق النخوة وأيقونة الهُوية في الوجدان الهاشمي والوطني
منذ 3 أيام
أخبار فنية
فن
نبيلة عبيد: ضحيت بحلم الأمومة .. وهذا سبب فشل زواجي الأول
منذ 1 ساعة
فن
ماجد المهندس يحسم الجدل حول انفصال أصالة وفائق حسن
منذ 2 ساعة
فن
نجوى فؤاد تثير التعاطف: أفتقد العزوة .. والوحدة أصبحت رفيقة الأعياد
منذ 3 ساعات
فن
السبب مجهول .. إلغاء مفاجئ لجميع حفلات محمد رمضان في أميركا
منذ 4 ساعات
فن
انتقادات الجمهور ودعم من النجوم! ماذا يحدث لصناع أغنية شيرين وحماقي الجديدة؟
منذ 5 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
مدرب النشامى: مواجهة سويسرا فرصة مهمة للاحتكاك بمنتخبات أوروبية قوية
منذ 24 دقيقة
رياضة
مونديال 2026: نيمار "يعمل بشكل جيد" وأنشيلوتي واثق من تعافيه
منذ 1 ساعة
رياضة
كأس العالم 2026 .. الجمارك الفرنسية تحجز 2300 قميصا مزيفا
منذ 2 ساعة
رياضة
رونالدينيو وزلاتان أوّلا .. قائمة ضيوف سان جيرمان في نهائي دوري أبطال أوروبا
منذ 3 ساعات
رياضة
رسميا .. ليفربول يعلن إقالة أرني سلوت
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية
منذ 26 دقيقة
منوعات من العالم
ضربة حظ .. أمريكي يحقق ثروة ضخمة بسبب تاريخ ميلاده
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
أكره لندن .. رسالة كتبتها ديانا في شهر العسل إلى صديقة الطفولة
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
نهاية مايو تنذر ببدء موسم البوارح وموجات الغبار الكثيفة في 6 دول عربية
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
الاثنين 1 حزيران .. أول أيام فصل الصيف أرصادياً في النصف الشمالي من الكرة الأرضية
منذ 3 ساعات
الرجاء الانتظار ...