رمضان والأمهات والسكري

منذ 16 سنة
المشاهدات : 8300
رمضان والأمهات والسكري

 ميساء قرعان ما أؤمن به بشكل مطلق هو أن الإنسان كائن يجيد التكيف بقدر ما لديه القدرة على التغيُر وإن كانت القدرة على التكيف مع المستجدات تصبح اكثر صعوبة مع تقدم العمر وبالأخص تلك التي تتعلق بالقيم والمعايير الدينية، منذ ما يقارب الخمس سنوات وبعد مضي اكثر من خمس وخمسين عاما على مواظبة والدتي على الصيام لأنها اعتادته وهي طفلة في الخامسة بذلنا جهدا منقطع النظير بعد مشورة الطبيب بإقناعها بضرورة أن تتوقف عن الصيام، كم كان الأمر عسيرا! وكم كانت المهمة شاقة ولم ندع وسيلة اقناع إلا واستخدمناها، وأذكر حينها بأننا بأننا قمنا باستخراج عدد المرات التي وردت فيها كلمة"الرحمن" في القرآن الكريم وهي تزيد عن 160 مرة، ورددنا حديث"إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى فرائضه" حتى فاض بنا الكيل وهي لم تقتنع بعد فكيف تفطر في رمضان بعد نصف قرن من الصيام حتى وإن كان على حساب صحتها؟ وواصلنا:"لا ضرر ولا ضرار" لكنها أبت وحين أوصلتنا إلى طريق مسدود أذكر أن أحد أشقائي قال لها: هل تعتقدين بأن الرحمن يتعامل مع عباده بعقلية المدير العام –حاشا لله- أن يكون كذلك أو أنه يتربص بعباده للانتقام؟ فرحمته سبقت غضبه وإن كان هنالك إثم ستتحملينه فهو إصرارك على إيقاع الأذى بجسدك وبدأت بالاقتناع تدريجيا إلا أنها حولت أيام رمضان إلى جحيم، فمع كل مضغة طعام تنساب دموعها كما لو كانت ترتكب إحدى الكبائر، لكننا واظبنا على تغيير مفاهيمها عن الحلال والحرام والرخص الشرعية ويوما بعد يوم أصبحت أكثر تكيفا وعاما بعد عام تخلصت من الشعور بالذنب إلى درجة أصبحت لا تخجل فيها من الإفطار ومعتدة بسلاح أنبوبة الأنسولين باعتقادي أن حالة أمي ليست فريدة وأن هنالك الكثير من الأمهات أو النساء كبيرات السن اللواتي يرفضن أن يأتين الرخص التي حللها الله لللإفطار بسبب الأمراض المزمنة ، هؤلاء يحتجن كما نحتاج جميعا إلى إعادة النظر والتفكر في رحمة الخالق وإستئصال التشوه الذهني الذي يمكن اختصاره بتضخيم صورة"شديد العقاب" وعودة إلى أمي التي استطاعت أن تحقق تكيفا بدرجة امتياز باتباع رخصة الإفطار فقد أصبحت بعد مضي خمس سنوات من الإفطار كثيرة التغزل في شهر الخير وفي أي مناسبة للحديث عن الشهر الفضيل فإنها تسارع للقول من باب التخفيف عن الصائمين :"رمضان السنة دمه خفيف لا جوع ولا عطش" أما نحن الذين استنفدت طاقتنا لنقنعها بالانقطاع عن الصيام بسبب المرض فأصبحنا لا نطيق عبارتها هذه وخصوصا نهارا ولا يتردد أحدنا وقد أتعبه الصيام من الرد عليها بالقول:" دمه خفيف عليك أنت وكيف شعرت بخفة دمه وأنت لا تصومين أصلا؟" حينها تشعر بالخجل ونشعر بالخجل وتصمت ونصمت و وندرك أنها تتمنى في قرارة نفسها لو أنها لم تتبع نصائحنا ولا إرشادات الطبيب .... maisa_rose@yahoo.com

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم