د. عبدالله عقيل العقيل يكتب:"التحليل النفسي والاجتماعي لجذور التطرف والإرهاب" .. صراخ العجز وستار الدين الزائف

منذ 19 دقيقة
المشاهدات : 7302
د. عبدالله عقيل العقيل  يكتب:"التحليل النفسي والاجتماعي لجذور التطرف والإرهاب" ..  صراخ العجز وستار الدين الزائف

لا يُولد الإنسان متطرفاً يحمل الحقد ورايات الدم؛ بل تُصنع هذه الشخصيات في كواليس معقدة تتداخل فيها التربية المشوهة والعقد النفسية. وحين نغوص في البنية النفسية لهؤلاء الأفراد، نكتشف أن الجماعات الإرهابية تتربص بالنفوس التي تعاني من هشاشة داخلية وتصدعات عميقة، متخذة من هذه الثغرات أدوات للتغرير والتجنيد، ليجد الكائن المكسور، العدمي، والفاشل، من خلال الاحتماء بـ "قضية كبرى" طوق نجاة يواري به عورات عجزه وضياعه.

وتتأسس هذه البنية المأزومة غالباً منذ الطفولة من خلال التربية الخاطئة وأساليب التنشئة المضطربة؛ حيث يواجه الطفل طلباً أبوياً أو مجتمعياً مستحيلاً بفرض صورة مثالية تتجاوز طاقاته لتحقيق رضا المحيط. وفي علم النفس التحليلي ونظريات التعلق، تؤدي هذه المطالب التعجيزية والمشروطة بالحب إلى صدع مدمر في مفهوم الذات وإحساس عميق بالدونية. ولا تتوقف جذور هذه الهشاشة عند حدود البيت، بل تمتد إلى المدرسة؛ ففي محاولة يائسة لتلافي ضغوط التنمر وقسوة الأقران غير المتكافئة، قد يلجأ الطفل إلى حيل دفاعية للنجاة؛ فيحتمي بـ "التدين الظاهري" ليكتسب حصانة اجتماعية كمسالم يتقيه المتنمرون، أو يتخذ من "التفوق الدراسي" درعاً يهرب به من حلبات السيطرة البدنية إلى ميدان سلمي يحظى فيه بالتقدير. غير أن هذه الدروع تظل هشة؛ لأنها تُبنى على الهروب والتخفي خلف أدوار مثالية لا تلبث أن تتصدع على إثر الخزي المبكر أو الانكسار الشخصي القاسي الذي هشم صورته لذاته، ليجد نفسه محاصراً بشعور جارح بالوضاعة يعجز عن غفرانه لنفسه. ومنذ تلك اللحظة، يدخل الفرد في معركة مضنية وجهود شاقة ليصنع لنفسه "صورة حسنة مزيفة" ترمم ما انكسر في مرآة روحه. ورغم هذا الانكسار، يظل في عميق نفسه توق دفين وشوق جامح إلى أن يكون "بطلاً" يثبت به ذاته من خلال الانتقال الى مجتمع اخر لا يجد فيه صورته الهزيلة؛ فتأتي التنظيمات الإرهابية لتلعب على وتر هذا "الطفل الداخلي المكبوت"، متخذة من الانضمام إليها وسيلة وعالم جديد لتفريغ رغبات الطفولة المؤجلة التي ما زالت تلح في خاطره ليسترد كرامته المهدورة عبر أعمال متطرفة تمنحه فجأة وهم "القوة المطلقة " او الصورة التي حلم بها منذ نعومة اظفاره .

وفي قلب هذا المناخ المتصدع، تنشأ الأمراض والاضطرابات النفسية لتجد بيئتها الخصبة في حاضنة الإرهاب؛ فعلى رأسها تبرز البارانويا (عقدة الاضطهاد) كآلية دفاعية ناشئة عن الدونية الذاتية أو الاجتماعية، حيث يُسقط العقل ألم الفشل على الخارج ليقنع صاحبه بأن "العالم يتآمر ضده". وإلى جانبها تبرز اضطرابات الشخصية الحدية بطبيعتها المتقلبة وبحثها اليائس عن الانتماء المطلق لتعبئة الفراغ العاطفي، والشخصية النرجسية الجائحة التي تعوض شعورها الخفي بالهشاشة عبر توهم الاستثنائية والتعالي، فضلاً عن الفصام العقلي الذي يضعف القدرة على محاكاة الواقع، ومن يعانون من الاكتئاب الجسيم الغارقين في العدمية ليقدم لهم التنظيم "خلاصاً سحرياً" بالتفجير الانتحاري. ولا يغيب عن ذلك اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع (السايكوباتية) ممن يفتقرون للتعاطف إثر تربية عدوانية، والشخصية التابعة التي تسلم عقولها لمرشد وهمي هرباً من عناء الاختيار، وصولاً إلى التدين الوسواسي المتزمت الذي يبحث عن اليقين المطلق لترميم تشتته الداخلي.

وعلى كواليس هذه البنية المأزومة، تكمن واحدة من أخطر دافعيات الانخراط في الإرهاب؛ وهي "نشوة التفريغ النفسي ومشاعر الراحة الوهمية" التي يختبرها المتطرف عقب تنفيذ أفعاله المدمرة. فعلى المستوى النفسي، لا يعود هذا الشعور بالراحة إلى تحقيق قضية نبيلة، بل هو استجابة مرضية لعقدة العجز المزمن؛ إذ يجد هذا الكائن المقهور -الذي طالما تجرع مرارة الدونية والانكسار- في العنف المطلق وسيلة فورية لتفريغ شحنات الغضب المكبوتة، والتخلص المؤقت من ثقل الشعور بالضآلة واللاغائية. وبدلاً من مواجهة إخفاقاته الذاتية، تمنحه "نشوة التخريب والتدمير" شعوراً زائفاً بالقدرة والسيطرة المطلقة، ليعتقد واهماً أنه استعاد توازنه النفسي وأفرغ سموم حقده على العالم، مستبدلاً عار عجزه بنشوة مؤقتة لا تلبث أن تنقشع لتترك وراءها رماداً ودماراً أعمق ، فمن يطأ ارض الارهاب والتطرف لا يمكن ان يكون بطلا ، بل هو انسان عاجز فاشل اضلته نفسه المريضة وشيطانه المارد ، فجعلوا منه بغباءه وقود جهنم والخزي والعار في الدنيا والاخرة .

وعلى الصعيد التربوي والثقافي، فقد تغذى هذا الخلل مع معضلة القصص الشعبية وروايات البطولة الوهمية؛ إذ ساهمت بعض الموروثات السردية في تشويه الوعي حين تُفرَغ مفاهيم "الفروسية" من مضامينها الحقيقية لتحولها إلى تمجيد أعمى للقوة والبطش من خلال القصص الخيالية والتراث السردي المزور للحقيقة ، فتغذي اللاوعي الجمعي للشخصيات المتصدعة التي تتقمص دور "الفارس الموعود" بالاعتماد على التوحش والبطش لتحقيق الصورة الذهنية التي نشات في احضان الطفولة لتنتج اعداء للمجتمع والبشرية ، ومجرد معاول هدم لا بناء .

يبقى المتطرف ذلك الكائن المهزوم الذي حطمت التنشئة المشوهة بنيته، ليُفضل أن يحرق العالم ليُدفئ به فجوة شعوره بالانكسار وتوقه الزائف للبطولة من خلال استغلال غطاء ديني مزيف يبيح سفك الدماء في استهانة بالحقائق والادلة الشرعية . ومن هنا يتضح أن مواجهة التطرف من هذه الزاوية يتطلب إصلاحاً تربوياً ونفسياً يرمم تصدعات الطفولة ومخاوف التنمر، وتقديم الرعاية المتخصصة لمن يعانون من الهشاشة والعقد، وتقديم رسالة دعوية قائمة على الحجة والدليل واستخدام كافة الوسائل المتاحة لايصال الاسلام الحقيقي وكبح جماح الادعياء والمرتزقة ونبذهم ، بما يكفل للإنسان أن يكون سوياً، فاعلاً، وخالياً من أمراض التخريب الفكري والنفسي.

 

 

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم