الدكتور علي فواز العدوان يكتب: صناعة الفتنة و توظيف التكفير

منذ 19 دقيقة
المشاهدات : 5110
الدكتور علي فواز العدوان يكتب: صناعة الفتنة و توظيف التكفير
د. علي فواز العدوان

د. علي فواز العدوان

الاستعمار الأوروبي البريطاني والفرنسي كان مشروع احتلال عسكري للأرض العربية و مشروعاً لإعادة هندسة المنطقة سياسياً ودينياً واجتماعياً، وتفكيك عناصر قوتها، وضرب وحدتها، والسيطرة على مرجعياتها ومقدراتها. وإذا كانت الجيوش الاستعمارية قد رسمت حدود الدول العربية بالاتفاقيات والانتدابات، فإن أخطر ما تركته تلك المرحلة كان تأسيس بيئة من الصراعات والانقسامات التي تحولت لاحقاً إلى أدوات لاستنزاف المجتمعات العربية والإسلامية من داخلها.

إن قراءة التاريخ بعيداً عن المجاملات السياسية تكشف أن القوى الاستعمارية أدركت مبكراً أن السيطرة على العالم الإسلامي لا تتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل تتطلب تفكيك المرجعية الجامعة، وإضعاف المؤسسات، وإعادة توظيف الدين في الصراع على السلطة والنفوذ، وتحويل الاختلافات الفكرية والمذهبية إلى خطوط مواجهة داخل المجتمع الواحد.

ومن هنا، فإن مسؤولية الاستعمار البريطاني والفرنسي لا تقف عند حدود احتلال الأرض ونهب الموارد وتقسيم الجغرافيا، بل تمتد إلى السياسات التي أسهمت في إضعاف النسيج الاجتماعي، وتغذية الانقسامات، وتهيئة الظروف التي تمكنت فيها لاحقاً تيارات التطرف والتكفير من التمدد واستغلال الفراغ السياسي والمؤسسي.

ولذلك لم تكن مسألة إضعاف الثورة العربية وإنهائها مجرد هدف عسكري، بل جزءاً من إعادة تشكيلات للسيطره على المنطقة العربية.

ففي الوقت الذي كانت فيه بريطانيا تتبادل المراسلات مع الشريف الحسين بن علي عامي 1915 و1916، وتقدم الوعود بدعم استقلال العرب وتطلعاتهم السياسية، كانت تتفاوض سراً مع فرنسا على تقسيم مناطق النفوذ بالوطن العربي بموجب اتفاقية سايكس–بيكو، ثم جاء وعد بلفور عام 1917 ليكشف حجم التناقض بين الخطاب البريطاني ومصالح الإمبراطورية.

لقد استُخدمت طموحات العرب في مواجهتها ضمن حسابات الحرب العالمية الأولى، ثم انتهت تلك الوعود إلى الانتداب والتقسيم والهيمنة الأجنبية.

وهنا تبرز مسؤولية تاريخية لا يمكن تجاوزها: لقد دفعت بريطانيا الشريف الحسين بن علي إلى تحالف استراتيجي على أساس وعود سياسية، ثم لم تلتزم بمضمون المشروع العربي الذي ارتبط بتلك الوعود، وتقدمت مصالحها الاستعمارية على التطلعات التي ساهمت الثورة العربية الكبرى في التعبير عنها.

وكانت المفارقة أن بريطانيا التي ناقشت إمكانية قيام خلافة عربية في مراسلاتها مع الشريف الحسين، لم تكن مستعدة لقبول خلافة مستقلة تتحول إلى مركز قرار خارج منظومة مصالحها وعندما أعلن الشريف الحسين مطالبته بالخلافة عقب إلغائها في تركيا عام 1924، و لم يحظ مشروعه باعتراف دولي رغم الاجماع إلاسلامي، في ظل تعقيدات السياسة الإقليمية والدولية.

إنها واحدة من أبرز صور توظيف الشرعية الدينية في الحسابات الاستعمارية: دعم الفكرة عندما تخدم النفوذ، والتحفظ عليها عندما تتحول إلى مشروع مستقل.

الاستعمار لم يكتف بتقسيم الأرض بل استثمر في تقسيم
المجتمعات لإعادة تشكيل البنى السياسية والاجتماعية بما يخدم السيطرة الأجنبية.

وكانت النتيجة إضعاف المشروع العربي الجامع، وإخضاع المجتمعات لمعادلات سياسية جديدة، وتوسيع المسافة بين مكونات كانت قادرة على التعايش ضمن إطار اجتماعي وثقافي مشترك.

إن توظيف الاختلافات الدينية والمذهبية في إدارة المجتمعات لم يكن تفصيلاً إدارياً عابراً، بل كان أحد أوجه السياسة الاستعمارية التي جعلت من التوازنات المحلية وسيلة للحكم والسيطرة.

وهنا نصل إلى القضية الأكثر خطورة: الفكر التكفيري الذي يحوّل الاختلاف إلى كفر، والخلاف السياسي إلى عداوة دينية، والمجتمع إلى جماعات متناحرة، والدولة الوطنية إلى هدف مشروع للإسقاط والتدمير.
إن الاستعمار الأوروبي يتحمل مسؤولية تاريخية عن بناء بيئات سياسية واجتماعية مضطربة، وعن سياسات أضعفت المؤسسات وأشعلت التنافس على السلطة والهوية والمرجعية. وقد أصبحت هذه البيئات لاحقاً أرضاً قابلة لاستغلال الحركات المتشددة، التي وجدت في انهيار المؤسسات واتساع الصراعات فرصة لنشر خطاب الإقصاء والتكفير.

ولا يمكن إغفال أن القوى الاستعمارية استخدمت في مراحل مختلفة أدوات سياسية وأمنية وإعلامية، وتعاملت مع جماعات وقيادات محلية وفق مصالحها، وأن التاريخ الاستعماري يقدم شواهد على توظيف الدين والهوية في إدارة الصراعات.

ومن هنا فإن الاتهام السياسي للاستعمار لا يتعلق فقط بما فعله بجيوشه وحدوده واتفاقياته، بل أيضاً بما أسهم في إنتاجه من اختلالات بنيوية، وما استثمره من انقسامات، وما تركه من فراغات سمحت لقوى التطرف بأن تقدم نفسها بديلاً عن الدولة والمجتمع.

أما القول إن أجهزة بريطانية وفرنسية أنشأت مباشرة جميع الحركات التكفيرية واقع تاريخي مثبت و لا يعفي القوى الاستعمارية من مسؤولية سياساتها وآثارها التي ساعدت على تفكيك المجتمعات وإضعاف مناعتها.

ومن المفارقات التاريخية أن حركة الخلافة الإسلامية في الهند، التي ظهرت بين عامي 1919 و1924، كانت حركة مناهضة للسياسة البريطانية، وقادها مسلمون هنود للدفاع عن الخلافة العثمانية. وهذا يؤكد أن الصراع على الخلافة لم يكن مجرد خلاف فقهي أو ديني، بل كان أيضاً صراعاً على الاستقلال السياسي ومقاومة الهيمنة الاستعمارية.

ولذلك فإن دراسة تلك المرحلة تفرض علينا إعادة النظر في كيفية استخدام القوى الاستعمارية للخطاب الديني، وكيف تحولت المرجعيات الدينية إلى ساحات للتنافس السياسي، وكيف جرى توظيف بعض الاتجاهات والانقسامات بما يخدم توازنات النفوذ.

وإن أخطر ما يواجه المجتمعات العربية والإسلامية اليوم ليس الاختلاف الفكري أو المذهبي في حد ذاته، بل تحويل هذا الاختلاف إلى أداة لإسقاط الدولة، وتفكيك المجتمع، وشرعنة العنف، واستباحة الدماء.

فالفكر التكفيري لا يهدد جماعة دينية بعينها، وإنما يهدد مفهوم الدولة والمواطنة وسيادة القانون، ويضرب أسس التعايش والسلم الأهلي، ويحول الدين من منظومة أخلاقية وقيمية إلى أداة صراع وتدمير.

ومن هنا لا بد من قراءة العلاقة بين الاستعمار والتطرف ضمن منظومة أوسع من المصالح والسياسات والتدخلات الخارجية، دون إغفال مسؤولية البيئات المحلية والأنظمة والجماعات التي ساهمت في إنتاج الأزمات أو استثمرت فيها.

فكل متطرف صنيعة استخبارات أجنبية، لمشروع استعماري يدرك قيمة الانقسام الداخلي، ويستطيع توظيفه عندما يجد البيئة المناسبة لذلك.

وفي هذا السياق، أؤكد على أهمية التجربة الأردنية في حماية الدولة ومؤسساتها ووحدتها الوطنية، ومواجهة الإرهاب والفكر التكفيري باعتبارهما تهديداً للأمن الوطني الشامل، لا مجرد ملفات أمنية عابرة.
فالأمن الوطني لا يُبنى بالقوة العسكرية والأجهزة الأمنية وحدها، رغم أهميتها، بل بمنظومة متكاملة تشمل الاعتدال الديني، والوعي السياسي، والتعليم، والعدالة الاجتماعية، وحماية الهوية الوطنية، وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع.

وقد أثبتت التجارب في المنطقة أن انهيار مؤسسات الدولة وترك المجتمعات رهينة الميليشيات والتنظيمات المتطرفة يفتح الباب أمام التدخلات الخارجية، ويحول الأوطان إلى ساحات لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.

إن استحضار تاريخ الثورة العربية الكبرى ليس ترفاً تاريخياً، بل ضرورة لفهم كيف تتعامل القوى الكبرى مع مصالحها، وكيف يمكن للوعود السياسية أن تتحول إلى أدوات للهيمنة، وكيف يصبح الانقسام الداخلي مدخلاً لإعادة احتلال القرار الوطني.

إن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين المسلمين وبعضهم، ولا بين المذاهب والطوائف، بل بين مشروع الدولة الوطنية التي تحمي مواطنيها وتضمن التعددية وسيادة القانون، وبين مشاريع التفكيك والتطرف التي تستبيح المجتمعات باسم الدين أو السياسة أو المصالح الخارجية.

لقد غادر الاستعمار أرضنا في مراحل مختلفة، لكنه ترك وراءه خرائط للصراع، وأزمات للهوية، وتناقضات سياسية ومجتمعية لا تزال تُستثمر حتى اليوم. ومن لا يقرأ التاريخ بعين استراتيجية، قد يجد نفسه يعيد إنتاج أخطائه، ويمنح الآخرين فرصة جديدة للتحكم بمستقبله.

فالسيادة ليست حدوداً جغرافية فقط، والاستقلال ليس رفع علم فوق مبنى حكومي؛ الاستقلال الحقيقي هو امتلاك القرار، وحماية وحدة المجتمع، ومنع تحويل الدين إلى سلاح ضد أهله، وإغلاق الأبواب أمام كل مشروع خارجي يجد في الفتنة طريقاً للهيمنة.

 

 

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم