ليست كل كتابة تستحق النشر، وليس كل من تصدّر المشهد يستحق أن يُحتفى به؛ فالكتابة مسؤولية، والكلمة قيمة فكرية وثقافية، وليست مجرد عناوين براقة وصفحات محشوة بعبارات مستهلكة لا تقول شيئاً ولا تضيف جديداً.
المؤسف أن بعض مشاهدنا الثقافية والإعلامية باتت تخضع لمعايير لا علاقة لها بجودة النص أو عمق الفكرة أو قدرة الكاتب على الإضافة، بل أصبحت المعرفة الشخصية والواسطة والعلاقات بوابة للقبول والانتشار، حتى وإن كان ما يُنشر خالياً من المعنى، فقيراً في المضمون، لا يتجاوز تجميع الكلمات وتكرار العبارات.
ومن المفارقات أن بعض الذين لم يُعرف لهم عهد بالكتابة، ولم تكن لهم تجربة تُذكر في هذا المجال، أصبحوا يطلّون علينا بمقالات شبه يومية، وكأننا أمام اكتشاف مفاجئ لمواهب أدبية وفكرية! عناوين تتوالى، وكلمات تتراكم، لكن الفكرة غائبة والمعرفة شحيحة والمضمون لا يتجاوز الحشو والإنشاء. ومع ذلك تتصدر هذه المقالات قوائم المنشورات وتحظى بالاهتمام، حتى يخيّل لأصحابها أنهم أصبحوا كتّاباً ومحللين.
ونحن الذين اعتدنا القراءة لكبار الكتّاب والصحفيين وأصحاب الأقلام، على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، نستمتع بما تخطه أقلامهم، ونتابع تجاربهم وما يقدمونه من فكر ورأي وتحليل. فالكتابة عندنا موهبة امتهنّاها عن قناعة، وليست وظيفة نبحث من خلالها عن حضور أو شهرة. ونعرف كثيراً من أصحاب الأقلام، وندرك جيداً حجم الفارق بين تجربة صنعتها القراءة والمعرفة والممارسة، وبين محاولات طارئة على عالم الكتابة.
ولو عُرضت بعض تلك النصوص على كبار الكتّاب وأصحاب الخبرة، لما حظيت بقبولهم، ليس انتقاصاً من أصحابها، وإنما لأن ضحالة الفكرة وسطحية المعالجة وغياب المضمون لا تصنع مقالاً يستحق النشر، مهما كان عنوانه جذاباً أو صاحبه محاطاً بالعلاقات والمعارف.
المشكلة ليست في ظهور أقلام جديدة، فكل كاتب كبير بدأ يوماً ما، وإنما المشكلة في أن تتحول المجاملة إلى معيار، والمعرفة الشخصية إلى بوابة عبور، والواسطة إلى شهادة كفاءة، وأن يُدفع بأسماء إلى الواجهة قبل أن تمتلك أدوات الكتابة أو تقدم ما يستحق القراءة.
وفي المقابل، هناك كتاب يمتلكون تجربة ومعرفة ورؤية، أمضوا سنوات في القراءة والبحث والكتابة، ويحملون قضايا وطنهم ومجتمعهم في أقلامهم، لكنهم لا يجدون المساحة التي تليق بما يقدمون، لأنهم لا يجيدون طرق الأبواب الخلفية، ولا يملكون شبكة العلاقات التي تمنح البعض حضوراً يفوق حجم إنتاجهم الحقيقي.
ولعل أكثر ما يجعلني أتوقف أمام هذه الظاهرة أنني عندما أجد مقالي منشوراً إلى جانب مقال لكاتب مميز، له تاريخه وتجربته ومكانته الفكرية، أشعر بالفخر والاعتزاز، وأعدّ ذلك تقديراً لقلمي وفرصة لأن أكون بين أقلام أحترمها وأحب القراءة لها. لكنني، في المقابل، أشعر بشيء من الخجل والحرج عندما أجد مقالي إلى جانب نصوص لأقلام طارئة على عالم الكتابة، لا يجمعها بالمقال الجاد سوى مساحة النشر، ولا تقدم للقارئ ما يستحق التوقف عنده.
عندها أجدني أفكر جدياً في الاكتفاء بالنشر عبر موقعي الشخصي، احتراماً لقلمي، ولتجربتي التي امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، واحتراماً لكبار الكتّاب وأصحاب الأقلام الذين أحبهم وأعتز بأن أكون بينهم. فليس كل ظهور مكسباً، وليس كل نشر إضافة، وأحياناً يكون الابتعاد عن منبر لا يحترم قيمة الكلمة احتراماً للذات وللقلم.
لسنا ضد أحد، ولا نحتكر حق الكتابة أو النشر، لكننا ضد تغييب المعايير، وضد أن يصبح عدد المقالات دليلاً على عمق المعرفة، وأن يتحول تصدر قوائم المنشورات إلى وهم بالتميز، وأن يختلط الكاتب الحقيقي بمن يكتفي بترتيب الكلمات وصناعة العناوين.
إن احترام القارئ يقتضي احترام عقله، واحترام الكلمة يبدأ باحترام مضمونها. فليس كل من أمسك قلماً أصبح كاتباً، وليس كل من نشر مقالاً أصبح محللاً، وليس كل من تصدر المشهد امتلك ما يؤهله لذلك.
الكلمة لا تصنعها الواسطة، والتجربة لا تمنحها العلاقات، والكاتب الحقيقي لا تصنعه قائمة المقالات، بل تصنعه سنوات القراءة والمعرفة وعمق الفكرة وصدق الموقف.
والمؤسف حقاً أن تتقدم الأسماء على الأقلام، وأن تتراجع قيمة الكتابة أمام حسابات المجاملة والعلاقات. فالثقافة لا تنهض بتكثير الكتّاب على الورق، وإنما بالارتقاء بما يكتبون.
محمد مطلب المجالي
المؤسف أن بعض مشاهدنا الثقافية والإعلامية باتت تخضع لمعايير لا علاقة لها بجودة النص أو عمق الفكرة أو قدرة الكاتب على الإضافة، بل أصبحت المعرفة الشخصية والواسطة والعلاقات بوابة للقبول والانتشار، حتى وإن كان ما يُنشر خالياً من المعنى، فقيراً في المضمون، لا يتجاوز تجميع الكلمات وتكرار العبارات.
ومن المفارقات أن بعض الذين لم يُعرف لهم عهد بالكتابة، ولم تكن لهم تجربة تُذكر في هذا المجال، أصبحوا يطلّون علينا بمقالات شبه يومية، وكأننا أمام اكتشاف مفاجئ لمواهب أدبية وفكرية! عناوين تتوالى، وكلمات تتراكم، لكن الفكرة غائبة والمعرفة شحيحة والمضمون لا يتجاوز الحشو والإنشاء. ومع ذلك تتصدر هذه المقالات قوائم المنشورات وتحظى بالاهتمام، حتى يخيّل لأصحابها أنهم أصبحوا كتّاباً ومحللين.
ونحن الذين اعتدنا القراءة لكبار الكتّاب والصحفيين وأصحاب الأقلام، على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، نستمتع بما تخطه أقلامهم، ونتابع تجاربهم وما يقدمونه من فكر ورأي وتحليل. فالكتابة عندنا موهبة امتهنّاها عن قناعة، وليست وظيفة نبحث من خلالها عن حضور أو شهرة. ونعرف كثيراً من أصحاب الأقلام، وندرك جيداً حجم الفارق بين تجربة صنعتها القراءة والمعرفة والممارسة، وبين محاولات طارئة على عالم الكتابة.
ولو عُرضت بعض تلك النصوص على كبار الكتّاب وأصحاب الخبرة، لما حظيت بقبولهم، ليس انتقاصاً من أصحابها، وإنما لأن ضحالة الفكرة وسطحية المعالجة وغياب المضمون لا تصنع مقالاً يستحق النشر، مهما كان عنوانه جذاباً أو صاحبه محاطاً بالعلاقات والمعارف.
المشكلة ليست في ظهور أقلام جديدة، فكل كاتب كبير بدأ يوماً ما، وإنما المشكلة في أن تتحول المجاملة إلى معيار، والمعرفة الشخصية إلى بوابة عبور، والواسطة إلى شهادة كفاءة، وأن يُدفع بأسماء إلى الواجهة قبل أن تمتلك أدوات الكتابة أو تقدم ما يستحق القراءة.
وفي المقابل، هناك كتاب يمتلكون تجربة ومعرفة ورؤية، أمضوا سنوات في القراءة والبحث والكتابة، ويحملون قضايا وطنهم ومجتمعهم في أقلامهم، لكنهم لا يجدون المساحة التي تليق بما يقدمون، لأنهم لا يجيدون طرق الأبواب الخلفية، ولا يملكون شبكة العلاقات التي تمنح البعض حضوراً يفوق حجم إنتاجهم الحقيقي.
ولعل أكثر ما يجعلني أتوقف أمام هذه الظاهرة أنني عندما أجد مقالي منشوراً إلى جانب مقال لكاتب مميز، له تاريخه وتجربته ومكانته الفكرية، أشعر بالفخر والاعتزاز، وأعدّ ذلك تقديراً لقلمي وفرصة لأن أكون بين أقلام أحترمها وأحب القراءة لها. لكنني، في المقابل، أشعر بشيء من الخجل والحرج عندما أجد مقالي إلى جانب نصوص لأقلام طارئة على عالم الكتابة، لا يجمعها بالمقال الجاد سوى مساحة النشر، ولا تقدم للقارئ ما يستحق التوقف عنده.
عندها أجدني أفكر جدياً في الاكتفاء بالنشر عبر موقعي الشخصي، احتراماً لقلمي، ولتجربتي التي امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، واحتراماً لكبار الكتّاب وأصحاب الأقلام الذين أحبهم وأعتز بأن أكون بينهم. فليس كل ظهور مكسباً، وليس كل نشر إضافة، وأحياناً يكون الابتعاد عن منبر لا يحترم قيمة الكلمة احتراماً للذات وللقلم.
لسنا ضد أحد، ولا نحتكر حق الكتابة أو النشر، لكننا ضد تغييب المعايير، وضد أن يصبح عدد المقالات دليلاً على عمق المعرفة، وأن يتحول تصدر قوائم المنشورات إلى وهم بالتميز، وأن يختلط الكاتب الحقيقي بمن يكتفي بترتيب الكلمات وصناعة العناوين.
إن احترام القارئ يقتضي احترام عقله، واحترام الكلمة يبدأ باحترام مضمونها. فليس كل من أمسك قلماً أصبح كاتباً، وليس كل من نشر مقالاً أصبح محللاً، وليس كل من تصدر المشهد امتلك ما يؤهله لذلك.
الكلمة لا تصنعها الواسطة، والتجربة لا تمنحها العلاقات، والكاتب الحقيقي لا تصنعه قائمة المقالات، بل تصنعه سنوات القراءة والمعرفة وعمق الفكرة وصدق الموقف.
والمؤسف حقاً أن تتقدم الأسماء على الأقلام، وأن تتراجع قيمة الكتابة أمام حسابات المجاملة والعلاقات. فالثقافة لا تنهض بتكثير الكتّاب على الورق، وإنما بالارتقاء بما يكتبون.
محمد مطلب المجالي
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات