امل خضر تكتب: الإرهاب حين تتحول العقول إلى ساحات حرب وتصبح الأوطان هدفاً للكراهية

منذ 27 دقيقة
المشاهدات : 7814
امل خضر تكتب: الإرهاب حين تتحول العقول إلى ساحات حرب وتصبح الأوطان هدفاً للكراهية
امل خضر

امل خضر

ليس أخطر ما يفعله الإرهاب أنه يقتل الإنسان بل انه يسعى إلى قتل إنسانيته أولاً.


فخلف كل جريمة إرهابية مشروع يستهدف العقل قبل الجسد والوعي قبل الأمن، والإنسان قبل المكان.

الإرهاب ليس مجرد جماعات تحمل السلاح ولا حوادث عنف عابرة، بل فكر ظلامي يسعى إلى مصادرة حق الإنسان في الاختلاف واحتكار الحقيقة، وفرض الوصاية على العقول، مستخدماً الدين ستاراً، والمظلومية جسراً، والكراهية وقوداً والعنف وسيلة لفرض إرادته. انه مشروع لا يعترف بوطن يتسع للجميع، ولا بمجتمع تتعدد فيه الأفكارولا بإنسان يمتلك حق الاختيار.

والأخطر أن هذا الفكر لا يبحث عن أتباعه بالضرورة بين أصحاب العنف بل يتسلل إلى عقول الشباب والمراهقين، وإلى من يعانون الفراغ الفكري أو العزلة أو الإحباط أو فقدان الانتماء مستغلاً أسئلتهم المشروعة واحتياجاتهم الإنسانية، ليقدم لهم إجابات زائفة وانتماءً مشروطاً بالطاعة والعداء. يتخفى خلف خطاب ديني مجتزأ، وشعارات عاطفية ومقاطع رقمية مضللةويستثمر الأزمات والنزاعات والشعور بالظلم ليحول الألم إلى حقد والاختلاف إلى عداوة، والتساؤل إلى تشكيك، ثم يدفع ضحاياه تدريجياً إلى الاعتقاد بأن التطرف بطولة، وأن العنف قضية وأن تدمير الآخرين انتصار.

وهنا تكمن معركة العالم الحقيقية فالجماعات الإرهابية لا تحتاج دائماً إلى السيطرة على الأرض كي تهدد الدول يكفيها أن تنجح في السيطرة على عقل أو تفكيك أسرة، أو تسميم وعي جيل تبدأ الكارثة عندما يفقد الأب قدرته على الوصول إلى ابنه وعندما تعجز الأسرة عن اكتشاف التحول في أفكاره، وعندما تتحول المدرسة والجامعة ووسائل الإعلام إلى مساحات لا تواجه التضليل بالمعرفة، ولا التحريض بالوعي. عندها لا يعود الخطر محصوراً في فرد متطرف بل يصبح تهديداً لبنية المجتمع وأمنه وتماسكه ومستقبله.

أما الدولة فإن استهدافها لا يبدأ بالضرورة من حدودها أو مؤسساتها بل قد يبدأ من الداخل عبر ضرب الثقة بين مواطنيها، وإثارة الانقسامات وتغذية الكراهية، وإضعاف الانتماء الوطني. فالإرهاب يريد دولة منشغلة بالخوف ومجتمعاً غارقاً في الشك وأجيالاً فاقدة للبوصلة. وهو لا يهدد أمن بلد بعينه، بل يهدد منظومة القيم الإنسانية التي قامت عليها الحضارات الحق في الحياة والكرامة، والحرية والتعايش، وسيادة القانون.

ولا يجوز أن تبقى مواجهة الإرهاب مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، مهما بلغت كفاءتها فالأمن يحمي الإنسان من الرصاصة، لكن الوعي يحميه من الفكرة التي تطلقها. المواجهة الحقيقية تبدأ من أسرة حاضرة لا تكتفي بالمراقبة بل تحاور وتحتوي، ومن تعليم يصنع عقلاً ناقداً لا تابعاً ومن خطاب ديني مسؤول يحمي النصوص من التحريف والتوظيف، ومن إعلام لا يمنح التطرف منبراًومن مؤسسات دولة تطبق القانون بعدالة وحزم، وتغلق منافذ التجنيد والتحريض والتمويل. كما تقتضي مواجهة رقمية جادة تكشف التضليل وتفكك خطاب الكراهية، وتقدم للشباب مساحة حقيقية للمشاركة والأمل والانتماء.

وهنا ينبغي أن نقول للعالم بوضوح لا يحتمل المجاملة إن الإرهاب ليس وجهة نظر، ولا اختلافاً فكرياًولا قضية سياسية يمكن تبرير جرائمها إنه اعتداء على حق الإنسان في الحياة، وجريمة لا تمنحها الشعارات أي شرعية. كما أن مواجهة الإرهاب لا تعني استهداف دين أو شعب أو ثقافة، بل تعني مواجهة التطرف حيثما ظهر ومحاسبة مرتكبيه دون ازدواجية أو انتقائية.

لقد آن الأوان لأن ندرك أن الصمت عن خطاب الكراهية ليس حياداً، والتهاون مع التحريض ليس تسامحاً وترك العقول فريسة للتضليل ليس حرية. لا يمكن أن نبني سلاماً ونحن نتسامح مع من يزرعون بذور الحرب في عقول أبنائنا ولا يمكن أن نحمي الأوطان إذا تركنا الفكر الذي يستهدفها ينمو بلا مواجهة.

رسالتي لا تنتظروا أن ينفجر الإرهاب في شوارعكم حتى تدركوا أنه كان ينمو في عقول أبنائكم. واجهوه قبل أن يتحول إلى جريمة وحاصروا خطابه قبل أن يصبح عقيدةواحموا الإنسان قبل أن يصبح ضحية أو أداة في يد المتطرفين.

فالأوطان لا تُحمى بالحدود وحدهاولا تُصان بالقوة وحدها إنها تُحمى بعقول تعرف الحقيقة، ومجتمعات ترفض الكراهية، ودول لا تتهاون مع الجريمة، وإنسان يدرك أن كرامة الآخر ليست تهديداً لكرامته.

إن المعركة ضد الإرهاب ليست معركة من أجل أمن اليوم فحسب، بل معركة من أجل حق الأجيال القادمة في أن تعيش دون خوف، وأن تختلف دون أن تتقاتل، وأن تؤمن دون أن تقتل، وأن تبني الحياة بدلاً من أن تكون وقوداً للموت.

هذه ليست دعوة إلى موقف عابر بل نداءالى ضمير العالم لن نسمح لفكر الموت أن ينتصر على حق الحياة.

 

 

 

 

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم