الدكتــور عُــدي الفـواعيـر يكتب: احتفظت بمال وصلني بالخطأ… هل أُسأل قانونياً ؟

منذ 24 دقيقة
المشاهدات : 11313
الدكتــور عُــدي الفـواعيـر يكتب: احتفظت بمال وصلني بالخطأ… هل أُسأل قانونياً ؟
الدكتور عُدي تركي الفواعير

الدكتور عُدي تركي الفواعير

قد يحدث أن يحوّل شخص مبلغاً من المال إلى حساب بنكي أو محفظة إلكترونية عن طريق الخطأ، نتيجة تشابه الأسماء أو خطأ في أرقام الهواتف أو إدخال بيانات مستفيد غير مقصود. وبعد إتمام التحويل يكتشف أن أمواله وصلت إلى شخص لا يعرفه، فيحاول التواصل معه أو مع البنك لاسترداد المبلغ، لكنه قد يفاجأ بأن المستفيد يرفض إعادته.


وهنا يبرز سؤال مهم: هل يصبح المال حقاً لمن وصل إلى حسابه ؟ وهل تقتصر المسألة على المطالبة المدنية باسترداده، أم يمكن أن تصل إلى المساءلة الجزائية؟


أولاً: المسؤولية المدنية واسترداد المبلغ


وضع المشرّع الأردني في القانون المدني رقم (43) لسنة 1976 أساساً قانونياً واضحاً لمنع أخذ مال الغير دون سبب مشروع. فقد نصت المادة (293) على أنه: "لا يسوغ لأحد أن يأخذ مال غيره بلا سبب شرعي. فإن أخذه فعليه رده".


كما نصت المادة (294/1) على أنه: "من كسب مالاً من غيره بدون تصرف مكسب وجبت عليه قيمته لهذا الغير ما لم يقض القانون بغير ذلك".


وتقرر المادة (300) من القانون ذاته أنه: "على المحكمة أن تلزم من قبض شيئاً بغير حق أن يرده إلى صاحبه ولها علاوة على ذلك أن تأمر برد ما جناه القابض من مكاسب أو منافع ولها أيضاً أن تعوض صاحب الحق لقاء ما قصر القابض في جنيه".


وبناءً على ذلك، فإن وصول المبلغ إلى حساب شخص نتيجة خطأ في التحويل لا يشكل بذاته سبباً مشروعاً لتملكه، ويحق لصاحب المال المطالبة باسترداده أمام القضاء متى أثبت التحويل وانتفاء السبب القانوني الذي يبرر احتفاظ المستفيد بالمبلغ.


وتظل أحكام قبض غير المستحق الواردة في المواد (296) وما بعدها من القانون المدني ذات صلة بحسب طبيعة الواقعة وسبب الدفع، مع ضرورة عدم افتراض انطباق جميع صورها على كل تحويل خاطئ.


ثانياً: المسؤولية الجزائية وفق قانون العقوبات


لا تقف المسألة بالضرورة عند حدود المسؤولية المدنية، إذ إن قانون العقوبات الأردني رقم (16) لسنة 1960 وتعديلاته يتضمن نصاً يمكن بحث انطباقه على هذه الحالة، وهو المادة (424)، التي نصت على أن:


"كل من تصرف تصرف المالك في أي شيء منقول دخل في حيازته بسبب هفوة حصلت من المالك وكان يعلم أنه حصل عليه بتلك الصورة وكتمه أو رفض إعادته يعاقب بالحبس حتى ستة أشهر أو بغرامة حتى خمسين ديناراً".


ويُعد هذا النص من أبرز النصوص الجزائية التي يمكن الاستناد إليها عند بحث واقعة التحويل الخاطئ، فهو يتناول حالة وصول مال إلى حيازة شخص نتيجة هفوة من صاحبه، مع علم المستفيد بحقيقة وصوله إليه، ثم قيامه بكتمه أو رفض إعادته أو التصرف فيه تصرف المالك.


وعليه، فإن المستفيد لا يسأل جزائياً لمجرد أن المبلغ دخل حسابه، وإنما يجب إثبات العناصر التي يتطلبها النص، وفي مقدمتها علمه بأن المال وصل إليه نتيجة خطأ، وصدور الفعل الذي يجرّمه القانون منه. ويظل تقدير انطباق وصف المنقول على الرصيد المصرفي المحول إلكترونياً وتحقق أركان الجريمة من اختصاص القضاء وفق وقائع كل قضية وأدلتها.


ومن المهم الإشارة إلى أن المادة (426) من قانون العقوبات أدرجت الجنحة المنصوص عليها في المادة (424) ضمن الجنح التي لا تلاحق إلا بناءً على شكوى المتضرر، ما لم يكن المتضرر مجهولاً. لذلك ينبغي على صاحب المال تقديم شكوى أصولية وعدم الاكتفاء بمجرد مخاطبة البنك.


أما جريمة إساءة الائتمان المنصوص عليها في المادة (422)، فلا يصح اعتبارها الوصف التلقائي لهذه الواقعة؛ لأنها تفترض أن يكون المال قد سُلّم إلى الشخص على سبيل الأمانة أو الوكالة أو لأحد الأغراض التي حددها النص. ومجرد وصول حوالة إلى حسابه بطريق الخطأ لا يثبت وجود هذا التسليم الائتماني.


كذلك لا تقوم جريمة الاحتيال المنصوص عليها في المادة (417) لمجرد رفض المستفيد إعادة المبلغ، وإنما يمكن بحثها إذا ثبت أن المستفيد استعمل وسائل احتيالية لحمل المرسل على تحويل المال إليه ابتداءً، وتوافرت بقية أركان الجريمة.


ثالثاً: هل يمكن تطبيق قانون الجرائم الإلكترونية؟


إن إجراء التحويل من خلال تطبيق بنكي أو محفظة إلكترونية يثير تساؤلاً حول إمكانية تطبيق قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023.


وفي هذا السياق، تبرز المادة (26) من القانون، التي نصت على أن:


"كل من ارتكب أي جريمة لم يرد عليها نص في هذا القانون ومعاقب عليها بموجب أي تشريع باستخدام الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو موقع إلكتروني أو اشترك أو تدخل أو حرض على ارتكابها يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في ذلك التشريع".


ومؤدى هذا النص أنه يمكن بحث تطبيق قانون الجرائم الإلكترونية إذا ارتُكبت جريمة معاقب عليها في قانون آخر باستخدام الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات.


وبناءً عليه، يمكن بحث انطباق المادة (26) على جريمة المادة (424) إذا ثبت أن ارتكاب الفعل المجرّم تم باستخدام الوسيلة التقنية على النحو الذي يتطلبه النص.


لكن يجب التأكيد أن مجرد استخدام تطبيق إلكتروني لإجراء التحويل لا يكفي وحده للقول بوقوع جريمة إلكترونية، كما أن المادة (26) لا تنشئ جريمة مستقلة اسمها الاحتفاظ بحوالة إلكترونية خاطئة، وإنما تربط الجريمة الأصلية بوسيلة ارتكابها متى توافرت شروطها القانونية.


أما إذا صاحب الواقعة دخول غير مصرح به إلى حساب بنكي أو نظام معلومات أو التلاعب بالبيانات أو تغييرها أو نقلها دون تصريح، فقد تثار نصوص أخرى في قانون الجرائم الإلكترونية، ومنها المادة (3)، بحسب طبيعة الفعل وما يثبت من أدلة. وهذا يختلف عن مجرد استقبال حوالة صحيحة تقنياً وصلت إلى الحساب بسبب خطأ المرسل.


رابعاً: كيف يسترد صاحب المال حقه؟


من الناحية العملية، ينبغي على صاحب المال الاحتفاظ بإشعار التحويل وكشف الحساب، ومخاطبة البنك أو مقدم خدمة الدفع لتوثيق الواقعة وطلب التواصل مع الجهة المصرفية التي يتبع لها المستفيد لمحاولة استرداد المبلغ بالطرق الرسمية.


كما ينبغي توثيق إبلاغ المستفيد بالخطأ ومطالبته بإعادة المبلغ، والاحتفاظ بأي رد أو مراسلة تثبت علمه بحقيقة التحويل ورفضه إعادته.
وإذا لم تتم المعالجة، يستطيع المتضرر تقديم شكوى جزائية إلى الجهة المختصة متى توافرت شروطها، مع اتخاذ صفة الادعاء بالحق الشخصي للمطالبة بحقه المالي ضمن الدعوى الجزائية.


وقد نظمت المادة (55) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (9) لسنة 1961 هذا الأمر، إذ نصت على أنه:


"لا يعد الشاكي مدعياً شخصياً إلا إذا اتخذ صفة الادعاء الشخصي صراحة في الشكوى أو في طلب خطي لاحق قبل فراغ المحكمة الناظرة في الدعوى من سماع بينة النيابة ودفع الرسوم القانونية المترتبة على التعويضات المطالب بها".


وإذا لم تتوافر أركان الجريمة أو لم تثبت، فلا يعني ذلك بالضرورة ضياع حق صاحب المال؛ إذ يبقى بإمكانه اللجوء إلى القضاء المدني للمطالبة باسترداد المبلغ وفق أحكام الكسب بلا سبب وقبض غير المستحق.


وفي هذا الإطار، يجب الانتباه إلى المادة (311) من القانون المدني، التي حددت مدة عدم سماع دعوى الإثراء بلا سبب بثلاث سنوات من اليوم الذي علم فيه الدائن بحقه في الرجوع، وعلى كل حال خمس عشرة سنة من اليوم الذي نشأ فيه حق الرجوع.



لذا إنه من الممكن ان يقع خطأ في تحويل المال لشخص آخر دون قصد، لكن احتفاظ المستفيد بالمبلغ بعد علمه بأنه لا يخصه، يثير مسؤولية قانونية تستحق البحث والتحقق.


فالقانون المدني يمنح صاحب المال أساساً للمطالبة باسترداده، وقانون العقوبات يتيح بحث المسؤولية الجزائية وفق المادة (424) متى توافرت أركانها، كما يمكن بحث تطبيق المادة (26) من قانون الجرائم الإلكترونية إذا ارتُكبت الجريمة باستخدام تقنية المعلومات وفق شروطها.


فالمال لا يصبح ملكاً لمن وصل إلى حسابه لمجرد أن التحويل اكتمل، ولا يجوز أن يتحول الخطأ في إجراء معاملة مالية إلى وسيلة للاستيلاء على حقوق الآخرين.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم