سعيدان من المؤتمر الدولي في جامعة البتراء يحذّر من أزمة مائية عربية غير مسبوقة ويدعو إلى ثورة في إدارة المياه وحماية الحقوق المائية الأردنية

منذ 9 دقائق
المشاهدات : 4891
سعيدان من المؤتمر الدولي في جامعة البتراء يحذّر من أزمة مائية عربية غير مسبوقة ويدعو إلى ثورة في إدارة المياه وحماية الحقوق المائية الأردنية
سرايا - حذّر وزير المياه والري الأسبق، الأستاذ الدكتور معتصم سعيدان، من أن الدول العربية تتجه نحو تحديات مائية غير مسبوقة خلال العقود المقبلة، مؤكداً أن مستقبل الأمن المائي العربي لن يتحدد فقط بحجم الموارد المائية المتاحة أو بقدرة الدول على تطوير مصادر جديدة، وإنما بمدى نجاحها في إحداث تحول جذري في كفاءة إدارة المياه وتعظيم قيمتها الاقتصادية والاجتماعية، وحماية الموارد المشتركة من الاستنزاف والتأثيرات الجيوسياسية.

جاء ذلك خلال تقديم سعيدان الورقة الرئيسية في المؤتمر الدولي «مستقبل المياه: نهج مبتكر لإدارة المياه في المنطقة العربية»، الذي استضافته جامعة البترا، وافتتح أعماله رئيس مجلس أمناء الجامعة، معالي الدكتور غازي الزبن، بحضور رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور علي أبو غنيمة، ونخبة من الخبراء والأكاديميين، وبتنظيم مشترك بين الجامعة وجامعة هامبورغ للعلوم التطبيقية في ألمانيا.

واستعرض سعيدان حجم التحدي المائي العربي بلغة الأرقام، مشيراً إلى أن تسع عشرة دولة عربية تعاني من ندرة مائية حادة، في وقت تشير فيه تقديرات البنك الدولي إلى حاجة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى نحو 25 مليار متر مكعب إضافية من المياه سنوياً بحلول عام 2050، أي ما يعادل إنتاج نحو 65 محطة تحلية بحجم محطة رأس الخير في المملكة العربية السعودية. وأوضح التحليل أن هذه التقديرات تعكس حجم الضغوط المستقبلية الناتجة عن النمو السكاني والتوسع الاقتصادي والتغير المناخي، وتؤكد ضرورة الانتقال من سياسات زيادة الإمدادات إلى سياسات إدارة الطلب ورفع إنتاجية المياه.

وتناول سعيدان التباين الكبير في طبيعة الأزمات المائية بين الدول العربية، فبينما يعاني الأردن من ندرة طبيعية شديدة، لا يتجاوز فيها نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة نحو 61 متراً مكعباً سنوياً، تواجه مصر فجوة بين احتياجاتها المائية المقدرة بنحو 114 مليار متر مكعب سنوياً ومواردها العذبة المتاحة البالغة نحو 59 مليار متر مكعب. وفي المقابل، تبرز في السعودية تحديات استدامة المياه الجوفية، حيث بلغ استخدام المياه الجوفية غير المتجددة في الزراعة نحو 9.36 مليارات متر مكعب خلال عام 2023، فيما تتعرض دول مثل العراق والمغرب وتونس لضغوط متزايدة نتيجة الجفاف وتراجع التدفقات النهرية وتقلب مخزون السدود. وتعكس هذه المؤشرات، رغم اختلاف سنواتها ومنهجيات احتسابها، الحاجة إلى حلول وطنية تتناسب مع طبيعة الموارد والاستخدامات في كل دولة.

وفي المحور الجيوسياسي، سلّط سعيدان الضوء على المخاطر التي تواجه الأمن المائي الأردني نتيجة التطورات في الأحواض المائية المشتركة، وفي مقدمتها حوض نهر اليرموك، مشيراً إلى تراجع واردات سد الوحدة إلى نحو عشرة ملايين متر مكعب، رغم طاقته التخزينية البالغة 110 ملايين متر مكعب، في ظل الضغوط الناتجة عن السدود والسحب الجائر للمياه الجوفية في الجانب السوري، إضافة إلى تأثيرات الجفاف والتغير المناخي. وشدد على أهمية حماية حقوق الأردن المائية التاريخية وتفعيل أدوات القانون الدولي والاتفاقيات الثنائية والتعاون الهيدرولوجي العابر للحدود، بما يضمن إدارة عادلة ومستدامة للموارد المشتركة.

وفيما يتعلق بمستقبل الإدارة المائية، ركز الطرح على أن الابتكار الحقيقي لا يقتصر على استخدام التكنولوجيا الحديثة، بل يبدأ بإعادة تعريف كفاءة المياه من خلال قياس القيمة الاقتصادية والاجتماعية المتحققة من كل متر مكعب. وتشمل مسارات هذا التحول تطوير شبكات التوزيع الذكية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في الكشف المبكر عن التسربات، وتحسين إدارة المياه الجوفية، وزيادة إنتاجية المياه في الزراعة، والتوسع في إعادة استخدام المياه المعالجة، وربط التحلية بمصادر الطاقة المتجددة، إلى جانب تطوير نماذج تمويل تربط الإنفاق بالنتائج والوفورات المائية الفعلية.

ويكتسب هذا النهج أهمية خاصة في الأردن، حيث يمكن لخفض المياه غير المدرة للإيرادات وتحسين كفاءة الشبكات أن يساهما في توفير كميات إضافية وتقليل الضغط على المصادر الطبيعية. كما يشكل مشروع الناقل الوطني، بطاقة مستهدفة تبلغ نحو 300 مليون متر مكعب سنوياً، أحد المرتكزات الاستراتيجية لتعزيز الأمن المائي، شريطة تكامل الاستثمارات في المصادر الجديدة مع إصلاح إدارة الطلب، وحماية الأحواض الجوفية، ورفع كفاءة التشغيل والطاقة.

وأكدت محاور المؤتمر أن مستقبل المياه في المنطقة العربية يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومات والجامعات ومراكز البحث العلمي والقطاع الخاص، لتطوير حلول قابلة للتطبيق تتجاوز المعالجات التقليدية، وتؤسس لاقتصاد مائي يقوم على الابتكار والحوكمة والاستدامة، بحيث لا يقاس النجاح بعدد السدود والمحطات التي تُنشأ فحسب، بل بمقدار المياه التي تُصان، والإنتاجية التي تتحقق، وقدرة الدول على ضمان حقوق الأجيال المقبلة.

وفي ختام أعمال المؤتمر، كرّم رئيس مجلس أمناء جامعة البترا، معالي الدكتور غازي الزبن، الأستاذ الدكتور معتصم سعيدان بدرع المؤتمر التقديري، تقديراً لمشاركته العلمية وإسهامه في إثراء النقاش حول مستقبل الأمن المائي الأردني والعربي، كما كرّم المهندس ثائر المومني تقديراً لمشاركته في المؤتمر.
معرض الصور (5)
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم