يوسف الطورة يكتب: ترمب يخسر رهان المال .. الناخب يعاقب سياساته

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 12450
يوسف الطورة يكتب: ترمب يخسر رهان المال ..  الناخب يعاقب سياساته
يوسف الطورة

يوسف الطورة


لعل أبرز ما تكشفه نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، بعيدا عن حسابات المقاعد والأغلبية الحزبية، حدود قدرة الرئيس الأمريكي التأثير في خيارات الناخب، أو إعادة تشكيل مزاجه العام بالمال والدعاية والخطاب السياسي.

فالرجل الذي اعتاد تقديم نفسه بوصفه قادرا على تحريك الشارع واستمالة الجمهور، لم تنجح إغراءاته المالية ولا ماكنته الإعلامية في تغيير اتجاهات الناخبين أو ثنيهم عن التعبير عن مواقفهم تجاه سياساته.

ولعل وعد ترمب بمنح خمسة آلاف دولار لكل أمريكي بالغ، في حال فوز الجمهوريين يمثل نموذجا لافتا في هذا السياق؛ لم يكن المال كافيا لشراء القناعة الانتخابية أو التأثير في قرار الناخب.

وهنا تبرز مفارقة التأمل ماذا لو طرح جزء من هذه الإغراءات المالية وليس كلها، على شعوب المنطقة والإقليم؟ وإلى أي مدى كان يمكن لمثل هذا العرض أن يؤثر في توجهات الشارع، ويعيد ترتيب أولوياته، أو يستميل الرأي العام؟.

إنها مقارنة تفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة الوعي الانتخابي، واستقلالية القرار الشعبي، والفارق بين مجتمعات تحكم خياراتها حسابات المصالح والمساءلة، وأخرى قد تكون أكثر قابلية للتأثر بالإغراءات والوعود.

ما جرى في الانتخابات الأمريكية يقدم مؤشرا واضحا على أن الناخب لا ينحاز لمن يعده بالمال، وإنما لمن يعتقد أنه قادر على معالجة أزماته.

فالناخب الأمريكي بدا أكثر انشغالا بكلفة المعيشة، وارتفاع أسعار الوقود، والتضخم، وتداعيات السياسات الخارجية على الاقتصاد والحياة اليومية، من انشغاله بالوعود الانتخابية أو الحملات الإعلامية.

لقد وضع ترمب أمام اختبار، وكانت النتيجة أن الحسابات المعيشية غلبت الوعود، وأن تجربة الحكم كانت أقوى تأثيرا من ماكينة الدعاية.

والأهم أن هذه النتائج لا يمكن فصلها عن سياسات إدارة ترمب في الشرق الأوسط والمنطقة، وما رافقها من تصعيد واضطرابات وتكاليف سياسية واقتصادية انعكست بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الداخل الأمريكي.

فالناخب الذي يدفع ثمن ارتفاع الأسعار، لا ينظر إلى الحروب والتدخلات الخارجية باعتبارها ملفات بعيدة عنه، وإنما يسأل عن كلفتها، وجدواها، وانعكاساتها على حياته ومستقبله.

ومن هنا يمكن قراءة الخسارة الجمهورية بوصفها عقابا سياسيا لإدارة لم تنجح في إقناع شريحة واسعة من الأمريكيين بأن سياساتها تخدم مصالحهم.

وجاءت نتائج انتخابات التجديد النصفي لتكرس هذا التحول، مع تمكن الديمقراطيين من انتزاع الأغلبية في مجلسي الكونغرس، الشيوخ والنواب، في تحول يضع الحزب الجمهوري وإدارة ترمب أمام واقع سياسي مختلف.

فخسارة الأغلبية لا تعني مجرد تراجع انتخابي هامشي، وإنما تعني فقدان الجمهوريين جزءا أساسيا من قدرتهم على التحكم بأجندة التشريع والإنفاق والرقابة، وفتح المجال أمام الديمقراطيين لممارسة دور أكثر تأثيرا في محاسبة الإدارة ومراجعة قراراتها.

تداعيات الخسارة تتجاوز حدود المنافسة الحزبية، خصوصا أن ترمب يدخل المرحلة المقبلة بسلطة تنفيذية ستواجه أغلبية معارضة في الكونغرس.

وهذا يعني أن تمرير التشريعات والقرارات المرتبطة بالإنفاق والبرامج الحكومية والسياسات الداخلية سيصبح أكثر تعقيدا، وأن الإدارة ستكون مضطرة إلى التفاوض والتنازل في ملفات كانت تتحرك فيها سابقا بأريحية أكبر، كما ستتسع مساحة الرقابة البرلمانية والتحقيقات السياسية، بما قد يضع كثيرا من قرارات البيت الأبيض تحت مجهر المساءلة.

ولعل صريحات زعيم الديمقراطيين جيفريز، حين اعتبر أن النتائج تمثل بداية عودة أمريكا إلى المسار الصحيح، وأن بلاده ليست للبيع، رسالة سياسية تتجاوز الاحتفال بالفوز؛ فهي تعكس رغبة الحزب الديمقراطي في تحويل الأغلبية الجديدة إلى منصة لمواجهة سياسات ترمب وإعادة رسم أولويات المرحلة المقبلة.

لكن الاختبار الأكثر حساسية لترمب لن يكون في الداخل الأمريكي وحده، وإنما في الملفات الخارجية التي تركتها إدارته مفتوحة على احتمالات متعددة.

فالشرق الأوسط يقف أمام مشهد بالغ التعقيد، تتداخل فيه الحرب الأمريكية على إيران وتداعياتها الإقليمية والدولية، مع الملفين العراقي واليمني، والتطورات السورية، والحالة اللبنانية، وما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وهي ملفات لا يمكن التعامل معها بمنطق التصريحات المتقلبة أو القرارات الانفعالية، وإنما تحتاج إلى رؤية استراتيجية واضحة، في وقت باتت فيه قدرة الإدارة على المناورة السياسية محكومة بتوازنات داخلية أكثر صعوبة.

ويبرز الملف الإيراني تحديدا بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة، فقبل الانتخابات لوح ترمب بإمكانية استهداف جبل الفأس في إيران، متحدثا عن أن إنهاء الأمر قد لا يستغرق سوى ساعة واحدة إذا قررت واشنطن ذلك، وبعد النتائج عاد ليؤكد أن إدارته ستقيّم الوضع، وأن الحرب مع إيران ستنتهي عندما يقرر هو ذلك.

وهي تصريحات تكشف استمرار النزعة التصعيدية في خطابه، لكنها تطرح في ذات الوقت سؤالا إلى أي مدى يستطيع ترمب الذهاب في خيارات عسكرية كبرى، بينما يواجه أغلبية ديمقراطية في الكونغرس، ورقابة سياسية أشد، وتراجعا في الغطاء الشعبي الذي يحتاج إليه لتسويق مغامرات خارجية جديدة؟.

صحيح أن الرئيس الأمريكي يحتفظ بصلاحيات دستورية واسعة في السياسة الخارجية، وأن خسارة حزبه الأغلبية لا تعني انتزاع سلطته التنفيذية أو تجريده من أدوات القرار، بما فيها حق النقض، لكنها تقلص هامش حركته السياسية والتشريعية، وتجعل كلفة قراراته أكثر ارتفاعا.

فالفيتو ليس أداة للحكم المنفرد، ولا بديلا عن القدرة على بناء التوافقات، كما أن إدارة الحروب والأزمات الإقليمية لا تقوم على إرادة الرئيس وحده، وإنما تتطلب موارد وتمويلا وغطاء سياسيا وشعبيا.

ومن هنا فإن انعكاسات الخسارة الجمهورية على المنطقة قد تكون أكثر أهمية من نتائجها الداخلية المباشرة.

فإدارة ترمب التي اعتادت استخدام لغة القوة والتهديد والضغط في التعامل مع ملفات الإقليم، ستجد نفسها أمام بيئة سياسية أمريكية أقل تساهلا مع قراراتها، وأكثر استعدادا لمساءلتها عن كلفة تدخلاتها ونتائجها.

وقد يفرض ذلك على البيت الأبيض إعادة حساباته في التعامل مع إيران، أو على الأقل مراجعة توقيت وشكل أي تصعيد عسكري محتمل، كما أن تراجع قوة ترمب الداخلية قد ينعكس على حسابات حلفائه وخصومه في المنطقة.

فالأطراف الإقليمية التي بنت رهاناتها على قدرة الرئيس الأمريكي على فرض رؤيته دون معوقات كبيرة، ستكون مضطرة إلى إعادة تقييم مواقفها، في حين قد ترى أطراف أخرى في تراجع نفوذه داخل الكونغرس فرصة لتوسيع هامش المناورة السياسية.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة حدوث تحول فوري في السياسة الأمريكية، بقدر ما يعني دخولها مرحلة أكثر تعقيدا وتعددا في مراكز التأثير.

إن الرسالة الأهم التي حملتها هذه الانتخابات لا تتعلق فقط بخسارة ترمب وحزبه، وإنما بقدرة الناخب الأمريكي على الفصل بين الخطاب والممارسة، وبين الوعود والنتائج.

فالمال لم يغير قناعاته، والإعلام لم يبدد مخاوفه، والشعارات لم تحجب عنه كلفة السياسات التي انتهجتها الإدارة، لقد مارس الناخب حقه في المحاسبة، وأعاد التوازن إلى المؤسسة التشريعية واضعا الرئيس أمام حدود السلطة السياسية حين تصطدم بإرادة الصندوق.

الثابت لم يخسر ترمب مجرد أغلبية برلمانية، وإنما خسر جزءا من هامش المناورة الذي كان يمنحه إياه حزبه، وواجه مؤشرا انتخابيا على تراجع الثقة بسياساته وأولوياته.

أما المنطقة التي دفعت أثمانا باهظة من اضطرابات الحسابات الأمريكية وتقلباتها، فقد تجد نفسها أمام مرحلة جديدة لا تقل تعقيدا عن سابقاتها.

مرحلة يصبح فيها القرار الأمريكي أكثر خضوعا للتجاذبات الداخلية، وتصبح فيها قدرة ترمب على إطلاق قرارات كبرى، خصيصا في ملفات الحرب والتصعيد، موضع اختبار سياسي ومؤسسي حقيقي.

ولعل الدرس الأبرز أن الناخب الذي لا تستطيع خمسة آلاف دولار استمالته، ولا تنجح ماكينة إعلامية ضخمة في تغيير قناعاته، هو ناخب يدرك أن صوته ليس سلعة، وأن صناديق الاقتراع ليست امتدادا لحملات الدعاية، وإنما أداة لمحاسبة من يحكمون.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم