فيصل تايه يكتب: من يدير المسرح الأردني؟ وزارة الثقافة أم نقابة الفنانين؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 11645
فيصل تايه يكتب: من يدير المسرح الأردني؟ وزارة الثقافة أم نقابة الفنانين؟
فيصل تايه

فيصل تايه

تتجاوز مقاطعة نقابة الفنانين الأردنيين للدورة الحالية من مهرجان الأردن المسرحي، واستقالة نقيب الفنانين الدكتور هاني الجراح من اللجنة العليا للمهرجان، حدود العتاب الإداري أو الخلاف التنظيمي؛ لتفتح الباب أمام أسئلة أعمق تتصل بطبيعة إدارة الشأن الثقافي في الأردن، وحدود العلاقة بين المؤسسات الرسمية والمهنية، ومسؤولية كل طرف في حماية المشروع الثقافي الوطني. فهذه التطورات تستدعي مراجعة جادة لطبيعة الشراكة بين من يرسم السياسة الثقافية ومن يتحمل مسؤولية الممارسة الفنية.

فالمسرح الأردني ليس مجرد كواليس أو فعاليات موسمية تُقام ضمن برامج احتفالية، فهو أحد روافد الهوية الوطنية، وذاكرة إبداعية تراكمت عبر عقود، وأسهمت في تشكيل حضور الأردن الثقافي في محيطه العربي والإنساني. ومن هنا، فإن تحويل مهرجان وطني بحجم مهرجان الأردن المسرحي إلى ساحة لتنازع الصلاحيات وتسجيل المواقف ينعكس على صورة المؤسسات المعنية ومكانة المسرح نفسه، وينال من رسالته بوصفه فضاءً للإبداع والحوار والتنوير، ومساحة وطنية تحتضن اختلاف التجارب والرؤى.

ويكمن جوهر المسألة في فهم طبيعة الأدوار وتحديد مساحات المسؤولية. فوزارة الثقافة تضطلع بمسؤولية رسم السياسات والتوجهات العامة، وتوفير الأطر التشريعية والمالية والبنية التحتية الداعمة للفعل الثقافي، فيما تمثل نقابة الفنانين المرجعية المهنية والأخلاقية المعنية بالدفاع عن حقوق الفنانين وصون مصالحهم وترسيخ معايير الممارسة الفنية. ولكل مؤسسة اختصاصها ومسؤوليتها، فيما تظل العلاقة بينهما قائمة على التكامل واحترام حدود الدور المؤسسي. فإدارة الشأن الثقافي تحتاج إلى سياسة عامة واضحة، وإلى مؤسسات مهنية حاضرة في صياغة القرار ومتابعة تنفيذه، ضمن شراكة تحفظ استقلال كل طرف وتوحد الجهود لخدمة الثقافة الوطنية.

وتقتضي معالجة الخلل مراجعة آليات العمل والوصول إلى جذور الأزمة بعيداً عن تبادل المواقف والاكتفاء بإدارة تداعياتها. وهذا يستدعي مأسسة العمل الثقافي من خلال لوائح واضحة ومعلنة تحدد الصلاحيات والمسؤوليات، وتنظم إجراءات تشكيل اللجان واختيار المشاركات، وتحمي القرار الفني من الارتجال والمزاجية، وتضمن استمرارية العمل بعيداً عن تبدل الأشخاص والمواقع القيادية. فالمؤسسة القوية هي التي تمتلك القدرة على مراجعة أدائها، ومعالجة مواطن الخلل، وإدارة الاختلاف بروح المسؤولية.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إرساء «ميثاق حوكمة ثقافي» تتوافق عليه وزارة الثقافة ونقابة الفنانين، يؤسس لشراكة مؤسسية متوازنة، ويحدد طبيعة الأدوار وحدود الصلاحيات، ويكفل استقلالية اللجان الفنية ولجان التحكيم، ويحول دون تداخل الاعتبارات الإدارية مع القرار الإبداعي.

وينبغي أن يستند هذا الميثاق إلى حوار واسع يضم رموز الحركة المسرحية، وأصحاب التجارب المستقلة، والخبرات الأكاديمية والفنية، والطاقات الشبابية الواعدة؛ بما يضمن حضور مختلف أطياف المشهد المسرحي الأردني في صياغة مستقبل المهرجانات الوطنية، ويعزز فرص التنافس العادل بين التجارب.

وفي السياق ذاته، تبرز أهمية التفكير في صيغة مؤسسية أكثر استقراراً لإدارة المهرجانات الوطنية، من خلال إنشاء «مجلس وطني استشاري» يضم قامات أكاديمية وفنية وممثلين عن المؤسسات ذات العلاقة، ويسهم في رسم التوجهات العامة واقتراح الرؤى والمعايير المهنية والفنية، ومراجعة التجربة التراكمية للمهرجانات وتطويرها. على أن تتضح طبيعة عمله وحدود صلاحياته، بما يوفر مساحة مؤسسية للتشاور وتبادل الخبرات، ويساعد على بناء رؤية تتجاوز حدود الموسم الواحد، مع بقاء الصلاحيات التنفيذية ضمن أطرها المؤسسية المعروفة.

وتبقى حماية الفنان وتوفير بيئة إنتاجية منصفة معياراً أساسياً لأي إصلاح ثقافي جاد. فالمهرجان الذي لا يشعر الفنان فيه بأن جهده مصان يفقد جانباً أساسياً من قيمته، والسياسات الثقافية تكتسب معناها حين تنعكس على فرص الإنتاج والحضور والتجديد. ومن الضروري أن تظل أبواب المشاركة مفتوحة أمام مختلف التجارب، وألا يتحمل الفنانون والجمهور تبعات التباين المؤسسي، بما يصون كرامة الفنان الأردني ومكانته، ويحفظ للمسرح قدرته على التجدد والنقد والتأثير في الحياة العامة.

إن المسرح الأردني يستحق من مؤسساته رؤية استراتيجية شجاعة تتجاوز حدود المناسبة والموسم إلى بناء مشروع ثقافي مستدام. وتظهر قدرة المؤسسات على تحمل مسؤولياتها حين تتباين المواقف وتصبح الحاجة ملحّة إلى الحوار والتفاهم؛ ففي هذه اللحظات تتجلى قيمة المؤسسة وصدق انحيازها للمصلحة الوطنية العامة. وتبقى هذه المصلحة الغاية التي ينبغي أن تلتقي عندها الوزارة والنقابة، من خلال شراكة واضحة، وإدارة مسؤولة، وقرار فني مستقل، ومعايير عادلة، وبيئة تحفظ كرامة الفنان وتفتح أمام الإبداع آفاقاً أوسع. فالمسرح مسؤولية ثقافية ووطنية مشتركة، وصون مستقبله يبدأ من مؤسسات تعرف حدود أدوارها، وتحترم شركاءها، وتضع مصلحة الإبداع والوطن في صدارة أولوياتها.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم