د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: ما أدركه الملك .. وغفلت عنه البيانات !

منذ 18 دقيقة
المشاهدات : 5065
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: ما أدركه الملك ..  وغفلت عنه البيانات !
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

الحمد لله على نعمة القيادة الهاشمية، التي علّمتنا أن حكمة الدولة في سعة صدرها وبُعد نظرها، وأن مواجهة التطرف لا تكون بتطرف مضاد. ولعل ما غاب عن بعض أصحاب بيان المثقفين هو فهم خصوصية الأردن؛ فهذا البلد وسطي، وسطي، وسطي، كان كذلك وسيبقى، لا يقبل التشدد باسم الدين، ولا الإقصاء باسم التنوير. وتلك ليست شعارات، بل فلسفة دولة تعرف كيف تحمي وحدتها وتصون اختلاف أبنائها.

قرأت بيانًا وقّعه عدد من المثقفين والأكاديميين عقب الجريمة الإرهابية التي أوجعت أهلنا في قرية حمود بالكرك. ونتفق معهم في إدانة الإرهاب، لكننا نختلف في تفسير جذوره؛ إذ بدا أن البيان يمنح الكتب والمذاهب والتيارات الفكرية مسؤولية واسعة عن الظاهرة، وكأن الإرهاب يُختزل في مؤلف، أو يُفسَّر بمذهب، أو يُعالَج بفتح خصومات فكرية جديدة.

ولعل في الرؤية الملكية ما يستحق التأمل؛ فقد نبّه جلالة الملك عبدالله الثاني إلى أن غياب الحل العادل للقضية الفلسطينية يغذّي العنف والتطرف في الإقليم. فكيف نفتش عن جذور الإرهاب في مؤلفات مضى عليها قرون، ولا نمنح الاحتلال والحروب والتهجير والمظالم السياسية والاجتماعية نصيبها من البحث؟ صحيح أن البيان أشار إلى الأطماع الإسرائيلية، لكن الإشارة شيء، وإدراك أثرها في تغذية التطرف شيء آخر. وفهم أسباب الإرهاب لا يعني تبريره، كما أن إدانته لا تعفينا من فهمه.

وفي الورقة النقاشية الملكية السادسة درس آخر؛ فالدولة المدنية، كما أوضح جلالته، ليست مرادفًا للدولة العلمانية، والدين عنصر أصيل في منظومة الأخلاق والقيم، دون أن يتحول إلى وسيلة للاستغلال السياسي أو الإقصاء. بل استحضر جلالته صحيفة المدينة المنورة التي وضعها الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، نموذجًا للتعايش وصون الحقوق.

وهنا تتجلى حكمة الدولة الأردنية؛ تحترم الدين دون أن تسمح باستغلاله، وتصون التعددية دون أن تجعل منها خصومة، وتواجه التطرف دون أن تصنع تطرفًا جديدًا.

ومن منظور علم النفس والعلوم السلوكية، فإن الإرهاب ظاهرة متعددة الأسباب، تتداخل فيها عوامل نفسية واجتماعية وسياسية، وتتفاعل مع الاستقطاب والهوية الجماعية وآليات تبرير العنف. وليس السؤال العلمي: ماذا قرأ الإرهابي فحسب؟ بل من استقطبه؟ وكيف تشكّل وعيه؟ ومتى أصبح قتل الأبرياء في نظره عملًا مشروعًا؟

فليس كل متدين متطرفًا، وليس كل متطرف إرهابيًا، وليس كل إرهابي وصل إلى العنف من بوابة الدين. وفي المقابل، فإن النقد والمراجعة لا يعنيان المساس بثوابت الإسلام وقطعياته؛ فالقرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة وما أجمعت عليه الأمة من أصول الدين، لها مكانتها الراسخة في عقيدة المسلمين ووجدانهم. أما الاجتهادات البشرية وفهم النصوص وتفسيرها، فتبقى مجالًا للبحث والمراجعة العلمية الرصينة. وفي وطن تتعدد فيه المعتقدات وتتساوى فيه كرامة المواطنين، فإن احترام المقدسات، وصون حرية الاعتقاد، وحماية حق الاختلاف، مبادئ متكاملة لا متعارضة. فلا يُستغل الدين للتحريض أو التكفير أو استباحة الدماء، ولا يُتخذ نقد التطرف ذريعة للإساءة إلى معتقدات الناس أو النيل من وحدتهم الوطنية..

وأخشى أن ننتقل، ونحن نحارب التطرف، من نقد الأفكار إلى إقصاء أصحابها، ومن محاسبة الجناة إلى محاكمة المعتقدات، فنحمّل مؤسسات الدولة أعباء خصومات لا ينبغي أن تكون طرفًا فيها.

فالمثقف يستطيع أن ينحاز إلى رأيه، أما الدولة فلا يجوز أن تنحاز إلا إلى الدستور والقانون والمصلحة العامة.

ولأن الأوطان لا تُحمى بالبيانات وحدها، فإنني أدعو إلى إعادة الاعتبار للغة العربية وجمالياتها في مدارسنا؛ لغةً للأدب والشعر والبلاغة والفكر، لا قواعد تُحفظ وتُنسى. فلنعلّم أبناءنا جمال التعبير وفن الحوار وقوة الحجة، ونمنحهم أدوات التفكير النقدي، بدل ترك عقولهم فريسة للخطاب المتشنج.

وأدعو وزارة الأوقاف إلى دراسة التجارب الناجحة في المساجد الكبرى، وتعميم نماذج الأئمة والخطباء الذين جمعوا بين العلم الشرعي الرصين والاعتدال وجمال الخطاب وحسن التواصل مع الشباب. فالمسجد ليس منبرًا للوعظ وحده، بل مدرسة للسكينة والأخلاق والوعي، تجمع الناس ولا تفرّقهم.

وإلى تكامل جهود التربية والتعليم العالي والأوقاف والثقافة في مشروع وطني للوقاية من التطرف، وإننا لا نحتاج إلى إضعاف حضور الدين، بل إلى تعزيز فهمه الواعي، ولا إلى مصادرة التراث، بل إلى قراءته بعقل ناقد، ولا إلى مزيد من الخصومات، بل إلى معرفة تساعد الدولة على الوقاية من التطرف قبل أن يتحول إلى جريمة.

لقد أوجعتنا جريمة حمود جميعًا؛ فالأردني الذي يُقتل في كنيسة أو مسجد ليس ضحية طائفته وحدها، بل ضحية وطن بأكمله. وليس من الوفاء لدماء الضحايا أن نجعلها وقودًا لسجالات فكرية، وإنما أن نحمي مجتمعنا من تكرار المأساة.

وإلى أصحاب بيان المثقفين نقول: لنتفق على إدانة الإرهاب، ولنختلف في تفسير أسبابه، ولكن دون أن نحمّل جماعات فكرية بأكملها وزر جرائم لم ترتكبها. فالأردن أكبر من أن يُختزل في صراع بين متدين وتنويري، وأوسع من أن تضيق دولته باختلاف أبنائه.

ولنتذكر قول جلالة الملك في خطاب العرش الأخير: «كما كان أبي من قبلي وسيكون ابني من بعدي»، وهو تأكيد لاستمرارية الثوابت الهاشمية في الدفاع عن قضايا الأمة. فالوفاء لهذا النهج لا يكون بالثناء عليه وحده، بل بفهم فلسفته في إدارة الدولة؛ اعتدال لا يتهاون مع الجريمة، وتسامح لا يتنازل عن القانون، واحترام للدين لا يسمح باستغلاله.

فلا تصنعوا تطرفًا وأنتم تحاربون الإرهاب؛ فالوطن أكبر من خلافاتنا، والدولة أوسع من أفكارنا، وحرمة الدم أعلى من جميع الشعارات.

وتلك هي الحكمة التي نتعلمها من الملك: أن نختلف في الرأي، دون أن نختلف على الوطن!
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم