الزيود يكتب : خطاب العرش بوصلة سياسية أردنية وجبهة داخلية يحصّنها الملك، مخاطباً الأردنيين: «أنتم عشيرتي»

منذ 57 دقيقة
المشاهدات : 15886
الزيود يكتب : خطاب العرش بوصلة سياسية أردنية وجبهة داخلية يحصّنها الملك، مخاطباً الأردنيين: «أنتم عشيرتي»

أحمد الزيود
ليست كل الخطابات السياسية مجرد كلمات تُلقى في مناسبة دستورية، فبعضها يضع أمام الدولة ومؤسساتها اتجاهات المرحلة، ويحدد طبيعة المسؤوليات التي ينبغي أن تتحول إلى سياسات وممارسات. ومن هذا المنطلق، جاء خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، حاملاً رسائل سياسية تتصل بأمن الدولة، وتماسك جبهتها الداخلية، وأداء سلطاتها، ومستقبل مسارها التنموي.

ولعل أكثر ما يستوقف المتابع في ختام الخطاب مخاطبة جلالة الملك للأردنيين بقوله: «وأنتم موضع ثقتي، وأهلي وعشيرتي أمانة في عنقي». لم تكن هذه العبارة مجرد خاتمة وجدانية، بل حملت دلالة سياسية واجتماعية عميقة، عبّرت عن طبيعة العلاقة بين القيادة والشعب، وعن المسؤولية المتبادلة في حماية الوطن وصون استقراره. فالأردنيون، بمختلف أصولهم ومناطقهم ومكوناتهم، يشكلون الأسرة الوطنية التي تقوم عليها الدولة، وتستمد منها قوتها وتماسكها.

الجبهة الداخلية.. أساس قوة الدولة

في مستهل الخطاب، وضع جلالة الملك مسألة الأمن الوطني في مقدمة الأولويات، مستحضراً المحاولة الإرهابية التي استهدفت الأردن، ودماء شهداء الكرك التي وصفها بأنها عهد في الأعناق. وقد جاءت هذه الرسالة لتؤكد أن استهداف الأردن ليس استهدافاً لمؤسسة أو منطقة بعينها، بل مساس بأمن الدولة ووحدة مجتمعها.

إن الجبهة الداخلية ليست مجرد حالة اصطفاف وقت الأزمات، بل هي منظومة متكاملة تقوم على الثقة المتبادلة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وعلى العدالة وتكافؤ الفرص، وعلى قدرة المجتمع على تجاوز الخلافات دون المساس بوحدته الوطنية.

ومن هنا، فإن تحصين الجبهة الداخلية يتطلب عملاً سياسياً ومؤسسياً مستمراً، لا يقتصر على المواجهة الأمنية، بل يشمل معالجة أسباب الاحتقان، وتعزيز المشاركة العامة، وتوسيع مساحات الحوار، وترسيخ شعور المواطن بأنه شريك في الدولة وصناعة مستقبلها.

الوعي الشعبي.. رهان سياسي وأمني

حين أكد جلالة الملك رهانه على وعي الأردني وحكمته وإخلاصه، فإنه وضع المواطن في قلب معادلة حماية الدولة. فالوعي لم يعد مسألة ثقافية أو تعليمية فحسب، بل أصبح أحد عناصر الأمن الوطني، في ظل التحديات التي تفرضها حملات التضليل والشائعات والتطرف والاستقطاب.

وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات التعليمية والجامعات والإعلام، إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني، في بناء وعي سياسي ومجتمعي قادر على قراءة الأحداث، والتمييز بين الاختلاف المشروع ومحاولات بث الفرقة، وبين النقد المسؤول والتضليل المتعمد.

كما أن تأكيد جلالة الملك أن التداول بالشأن العام حق مشروع يصونه الدستور، يمثل رسالة مهمة بشأن العلاقة بين الدولة والمجتمع؛ فالمشاركة في النقاش العام ليست تهديداً للاستقرار، بل حق دستوري ومساحة ضرورية لتصويب السياسات ومناقشة الأولويات، ما دامت قائمة على المسؤولية واحترام القانون.

مجلس الأمة.. اختبار فاعلية الحياة السياسية

وفي حديثه عن مجلس الأمة، أعاد جلالة الملك التأكيد على أن الأمة مصدر السلطات، وأن المجلس ركن أساسي في الحياة السياسية، وصوت للوطن وحارس للمصلحة العامة ورقيب على الأداء الحكومي.

وهنا تبرز مسألة جوهرية تتعلق بفاعلية المؤسسة التشريعية: فالمطلوب من مجلس الأمة ليس الاكتفاء بممارسة الإجراءات الدستورية، وإنما الارتقاء بدوره في صناعة التشريعات ومراقبة السياسات الحكومية ومناقشة القضايا التي تمس حياة المواطنين.

إن الرقابة البرلمانية ينبغي أن تكون مرتبطة بنتائج واضحة، وأن تتجاوز الأسئلة والمواقف الآنية إلى متابعة تنفيذ الخطط والبرامج، ومساءلة الجهات التنفيذية عن التزاماتها، وتقديم البدائل التشريعية والسياسية.

كما أن تأكيد جلالة الملك أن اختلاف النواب في الرأي يمثل قوة ما دامت مصلحة الأردن هي الغاية، يضع أمام الحياة البرلمانية معياراً واضحاً: الاختلاف مطلوب، والتعددية ضرورة، لكن قيمة العمل النيابي تقاس بقدرته على تحويل هذا الاختلاف إلى نقاش منتج يخدم المصلحة العامة.

سيادة القانون.. لا سلطة فوق المساءلة

«القانون لا يعرف اسماً، ولا منصباً، ولا نفوذاً». بهذه العبارة وضع جلالة الملك مبدأ سيادة القانون في موقع متقدم من أولويات الدولة.

وهذه الرسالة تتجاوز التأكيد على احترام النصوص القانونية إلى ضرورة بناء إدارة عامة لا تحكمها المحاباة أو المصالح الشخصية، ولا تمنح الموقع الوظيفي حصانة من المساءلة.

فالوظيفة العامة مسؤولية وليست امتيازاً، والمنصب تكليف لخدمة المواطنين وليس وسيلة لاكتساب النفوذ. ومن هنا، فإن تطوير الإدارة العامة يتطلب مراجعة حقيقية لمستوى الأداء، وربط المسؤولية بالإنجاز، وتقييم القيادات الإدارية وفق معايير الكفاءة والنزاهة والقدرة على تنفيذ السياسات.

ولا يمكن الحديث عن إصلاح سياسي واقتصادي دون إصلاح إداري يضمن كفاءة المؤسسات، ويعزز ثقة المواطن بها، ويجعل القانون مرجعية واحدة للجميع.

التنمية.. من الخطط الحكومية إلى أثرها في حياة المواطن

وفي الملف الاقتصادي، وضع الخطاب المواطن في صلب القرار، مؤكداً أن التنمية الحقيقية هي التي يلمس أثرها في المعيشة والفرص والتعليم والعلاج ومستقبل الأبناء.

وهذا يطرح أمام الحكومة مسؤولية الانتقال من إعلان الخطط إلى قياس نتائجها؛ فالمواطن لا ينتظر برامج على الورق بقدر ما ينتظر فرص عمل حقيقية، وخدمات عامة أفضل، ومشاريع تنفذ في مواعيدها، وسياسات اقتصادية تنعكس على مستوى معيشته.

كما أن دعوة جلالة الملك إلى تسريع إنجاز المشاريع الكبرى تضع كفاءة الإدارة التنفيذية وقدرتها على إزالة العقبات أمام التنفيذ في صلب التقييم العام للأداء الحكومي.

أما الأمن المائي، الذي أفرد له جلالته تأكيداً متكرراً، فيمثل ملفاً سيادياً يرتبط بالأمن الوطني وحقوق الأجيال القادمة. فالمطلوب ليس فقط الاستمرار في تنفيذ المشاريع، بل وضع خطط استباقية لحماية الموارد، ومواجهة الهدر والاعتداءات، وضمان استدامة المياه باعتبارها مورداً استراتيجياً لا يحتمل التأجيل.

الموقف الأردني.. ثبات في القضايا العربية

ولم يغفل خطاب العرش البعد الإقليمي والدولي، إذ أكد استمرار الأردن في التمسك بعروبته والدفاع عن قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وحقوق الشعب الفلسطيني في أرضه.

وجدد جلالة الملك التأكيد على أن الأمن والاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يتحققا دون تلبية حقوق الشعب الفلسطيني، في ظل استمرار الكارثة الإنسانية في غزة والاعتداءات في الضفة الغربية والقدس، وما تشكله الأطماع التوسعية الإسرائيلية من تهديد لمستقبل المنطقة.

وهذا الموقف يضع السياسة الأردنية أمام مسؤولية مواصلة التحرك السياسي والدبلوماسي دفاعاً عن الحقوق الفلسطينية، وحماية المصالح الوطنية الأردنية، والتعامل مع التطورات الإقليمية وفق ثوابت الدولة ومصالحها العليا.

ما بعد خطاب العرش.. مسؤولية التنفيذ

إن القيمة السياسية لخطاب العرش لا ينبغي أن تتوقف عند حدود تلقي الرسائل أو إعادة تداول عباراته، بل تبدأ من قدرة المؤسسات على تحويلها إلى سياسات قابلة للتنفيذ والمساءلة.

ومن الضروري أن تكون هناك مراجعة دورية لأداء الإدارات التنفيذية، وتطوير للهياكل الإدارية في مؤسسات الدولة والجامعات، واختيار للكفاءات على أساس الجدارة والإنجاز. كما ينبغي أن تحظى الثقافة الدستورية والسياسية بمساحة أوسع في المدارس والجامعات، من خلال مناقشة الخطاب ومضامينه، وتعزيز قدرة الشباب على فهم العلاقة بين السلطات والمشاركة في الشأن العام.

ولا يقل عن ذلك أهمية وجود إعلام وطني مهني يتابع أداء المؤسسات، ويطرح الأسئلة، ويناقش السياسات العامة، ويقدم النقد المسؤول بعيداً عن المجاملة أو التهويل. فالإعلام ليس مجرد ناقل للقرارات، بل أحد مساحات الرقابة المجتمعية والحوار العام.

إن المرحلة تتطلب حكومة تُحاسب على نتائج أدائها، ومجلس أمة يمارس دوره الدستوري بفاعلية، وإدارة عامة تقوم على الكفاءة، ومجتمعاً واعياً يشارك في الشأن العام، ضمن دولة يحكمها القانون وتصان فيها الحقوق.

ختاماً، يمكن قراءة خطاب العرش بوصفه تأكيداً على معادلة سياسية واضحة: دولة قوية بجبهتها الداخلية، ومجتمع واعٍ بحقوقه ومسؤولياته، ومؤسسات تمارس أدوارها الدستورية، وقانون لا يستثني أحداً، وتنمية يكون المواطن غايتها وميزان أثرها.

أما عبارة جلالة الملك: «وأهلي وعشيرتي أمانة في عنقي»، فتبقى رسالة تختصر معنى الثقة والمسؤولية المتبادلة بين القيادة والأردنيين؛ فتماسك الأسرة الوطنية ليس مجرد عنوان، بل أساس لحماية الدولة واستمرارها وقدرتها على مواجهة التحديات.

حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وسمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وحمى قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية، ورحم شهداء الوطن.


بقلم : أحمد الزيود
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم