المحامية نسرين صخر زريقات يكتب: لا حصانة لمقصر .. الأردن يدق عتبة مرحلة جديدة من رصانة العرش إلى هيبة المدرقة

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 29010
المحامية نسرين صخر زريقات يكتب: لا حصانة لمقصر ..  الأردن يدق عتبة مرحلة جديدة من رصانة العرش إلى هيبة المدرقة
المحامية نسرين صخر زريقات

المحامية نسرين صخر زريقات

في كل مرة يقف فيها جلالة الملك أمام مجلس الأمة ليلقي خطاب العرش، لا نكون مجرد شاهدين على إجراء دستوري تقليدي؛ بل نجد أنفسنا أمام لحظة مكاشفة وطنية تُرسخ بوصلة وطنٍ يُتقن الوقوف بثبات وصلابة وسط إقليم يموج بالمتغيرات والعواصف. غير أن افتتاح الدورة العادية البارحة لم يكن مجرد جلسة افتتاح رسمية، بل كان مشهداً أردنياً خالداً تداخلت فيه رصانة الدولة مع دفء الهوية، واجتمعت فيه حكمة الموقف السياسي والقانوني مع جمالية الموروث الذي يمس وجدان كل بيت أردني من الشمال إلى الجنوب، متسلحاً بذلك الحضور الملكي القوي والثابت الذي يبعث الطمأنينة والثقة في نفوس الأردنيين جميعاً.

وفي قراءة متأنية لأبرز المضامين الكبرى التي شدد عليها جلالة الملك، استوقفتني واستوقفت العديد من الأردنيين تلك اللحظة الحاسمة التي تؤكد حرص القيادة على إرساء قواعد المحاسبة ومواجهة التقصير؛ فمن الناحية القانونية والحقوقية، لم يعد مسموحاً اليوم لأي مسؤول أن يتخفى خلف الحصانات أو النصوص البيروقراطية. فقد جاء خطاب العرش ليدق عتبة مرحلة جديدة قوامها المحاسبة الصارمة والمسؤولية الكاملة، مؤكداً بوضوح قاطع أنه لا حصانة لأي مقصر أمام مصلحة الوطن والمواطن. لقد قطع الملك الطريق على كل مراهنات التعطيل، ليثبت أن دولة المؤسسات وسيادة القانون ليست مجرد شعارات، بل هي ممارسات فعلية تحمي كرامة الإنسان الأردني وتصون حقوقه. وإلى جانب ذلك، جاء التأكيد الملكي على حرية التعبير المسؤولة كركيزة أساسية من ركائز الوعي الديمقراطي، حيث يُنظر للكلمة الحرة والواعية كشريك حقيقي في الرقابة والبناء، لا كخصم للدولة؛ فالوطن الأقوى هو الذي يتسع لكل الآراء البناءة التي تصب في مصلحة المجموع وترفض التخريب والتشويه. وفي موازاة ذلك، جاء الموقف الإقليمي والدولي صريحاً لا لبس فيه؛ صوت أردني صلب يرفض المساومة على ثوابت الأمة، ويضع العالم أمام مسؤولياته بأن لا سلام ولا استقرار في المنطقة دون نيل الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، وحماية الوصاية الهاشمية على مقدساته.

وفي هذا السياق الوطني المتماسك، لا يمكن لعين القارئ إلا أن تستحضر البعد التاريخي والاجتماعي الراسخ لأبناء هذا الوطن؛ فالإشارة الحية إلى أحداث "حمود" والتاريخ النضالي الأردني تأتي لتذكرنا بأن ثبات الموقف الأردني اليوم ليس وليد اللحظة أو من قبيل الصدفة، بل هو امتداد طبيعي لإرث أردني أصيل كتبه الآباء والأجداد بوعيهم وشجاعتهم. إن حمود، بما تمثله في الذاكرة الكركية والأردنية من ملاحم التضامن والشهامة والتصدي للمخاطر، تعكس الجينات الوطنية ذاتها التي تجعل من المجتمع الأردني سداً منيعاً أمام كل الضغوط، وموقفاً صلباً لا يتغير بتغير الأزمان. وهو ذات الإرث الذي يتجلى بيقين راسخ في وقوف الأردن الحازم بوجه التطرف وقوى الظلام والخوارج، حمايةً لسلامة المجتمع وصوناً لرسالة هذه الدولة وهويتها، ليبقى وعينا المجتمعي الدرع الحصين أمام كل من يحاول العبث بأمن هذا الوطن واستقراره.

ولعل أعظم ما أضفى على المشهد البارحة بعده الإنساني والوجداني العميق، هو ذلك التناغم المذهل بين أصالة الحاضر وعراقة التاريخ؛ فقد تكللت هذه اللوحة المضيئة بتلك الإطلالة اللافتة والمؤثرة لصاحبة الجلالة الملكة رانيا العبدالله، حين ارتدت "المدرقة الكركية" الأردنية الأصيلة. لم يكن اختيار المدرقة تفصيلاً عابراً، بل كان رسالة رمزية مشحونة بالفخر والتاريخ؛ ففي غرز هذه المدرقة الوقورة تختبئ حكايات أمهاتنا ونشامى الجنوب من كل قرية كركية شامخة، وتتجلى ذاكرة شعب استمد ثباته وكرم روحه من جبال الكرك العتيدة، ليكون رفع هذا الثوب التقليدي إلى أرفع منصات الدولة الدستورية تكريماً لكل امرأة أردنية غرزت إبرة الصبر والحب في بناء هذا الوطن.

إن القراءة الفاحصة لرسائل العرش ولمشهد الأمس تتلخص في حقيقة واحدة: أن الأردن عصيٌّ على التهميش، حيٌّ بهويته، ومتماسك بإنسانه وتاريخه. والمرحلة اليوم تتطلب منا جميعاً — أفراداً ومؤسسات، رجال قانون ومجتمع مدني — أن نترجم هذه الرؤية إلى واقع عملي يومي يصون سيادة القانون، ويحمي حقوق الإنسان، ويحفظ كرامة كل أردني وأردنية تحت ظل هذه الراية الجامعة.


المحامية نسرين صخر زريقات

خبيرة في مجال حقوق الإنسان

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم