الطورة يكتب :لا تفسدوا خطاب الملك

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 12620
الطورة يكتب :لا تفسدوا خطاب الملك
يوسف الطورة

يوسف الطورة

ليس كل خطاب يحتاج إلى من يشرحه، وليس كل موقف سياسي بحاجة إلى عشرات المحللين والمنظرين الذين يتسابقون على الشاشات لتقديم قراءاتهم وتأويلاتهم.

فهناك خطابات تكون رسائلها واضحة ومضامينها مباشرة، وأولوياتها لا تحتاج إلى كثير من الاجتهاد حتى يدركها المواطن.

وخطاب الملك اليوم تحدث بوضوح، ووضع أمام الأردنيين جملة من القضايا الوطنية والإقليمية التي لا تحتمل الترف في النقاش بقدر ما تستدعي الجدية في التنفيذ.

المشكلة ليست في فهم الخطاب وإنما في ما سيحدث بعد انتهائه، فسرعان ما تتحول المناسبات السياسية إلى مادة دسمة للقاءات التلفزيونية، وتبدأ حفلة التحليلات والتفسيرات، ويتسابق أصحاب الآراء الجاهزة ولاعبو الاحتياط على تفكيك الكلمات وشرح الرسائل، وكأن المواطن عاجز عن فهم ما سمعه، أو كأن قيمة الخطاب تقاس بعدد المداخلات الإعلامية التي تتناوله.

لا تفسدوا خطاب الملك بكثرة التأويل، ولا تختزلوه في قراءات إعلامية تنتهي بانتهاء البرامج، فالأردن لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الشروح بقدر حاجته إلى مؤسسات تلتقط مضامين الخطاب وتحولها إلى برامج تنفيذية، وجداول زمنية، ومسؤوليات محددة، ومؤشرات واضحة للمحاسبة والإنجاز.

المياه والأمن المائي قضية سيادة لا ملف خدمات، حين يتعلق الأمر بالمياه فنحن أمام قضية تتجاوز إدارة الموارد وشح الأمطار إلى الأمن الوطني والسيادة والقدرة على حماية الحقوق الأردنية.

فالمنطقة تدخل مرحلة أكثر تعقيدا في صراعات الموارد، والمياه مرشحة لأن تكون أحد أبرز عناوين التنافس الإقليمي في السنوات المقبلة. وفي ظل التغير المناخي وتراجع الموارد، والضغوط السكانية، والتحديات المرتبطة بالمصادر المائية المشتركة يصبح الدفاع عن حقوق الأردن المائية أولوية استراتيجية لا تقبل التأجيل.

المطلوب ليس الاكتفاء بتكرار الحديث عن شح المياه وإنما امتلاك سياسة مائية متكاملة تقوم على حماية الحقوق، وتنويع المصادر، وتسريع المشاريع الاستراتيجية، والحد من الفاقد، وتعزيز كفاءة الإدارة، وربط كل ذلك بخطة معلنة يعرف المواطن من خلالها ماذا تحقق ومتى.

أما صلابة الجبهة الداخلية فهي ليست شعارا أمنيا، بل ركيزة الاستقرار في دولة تقع وسط إقليم مضطرب ومفتوح على احتمالات متعددة.

فالمنطقة تشهد تحولات أمنية متسارعة، من تداعيات الحرب في غزة، إلى التوترات المرتبطة بإيران وإسرائيل، مرورا بالوضع السوري، والتحديات الأمنية على الحدود وانتشار شبكات التهريب والجماعات المسلحة.

وفي مثل هذه البيئة لا تكفي المعالجة الأمنية وحدها على أهميتها وإنما لا بد من تحصين المجتمع، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ومواجهة التطرف وخطاب الكراهية وتجفيف منابع الإرهاب، وعدم السماح لأي جهة باستغلال الأزمات الإقليمية لإرباك الداخل أو العبث بوحدة المجتمع.

ومن القضايا التي لا يجوز أن تبقى في إطار الشعارات، حرية الكلمة والرأي المسؤول والنقد البناء، فالدولة الواثقة من مؤسساتها لا تخشى السؤال، ولا تعتبر النقد اعتداء، ولا تخلط بين المعارضة المشروعة والإساءة، أو بين الاختلاف السياسي ومحاولات الإضرار بالأمن الوطني.

إن توسيع مساحة التعبير المسؤول ليس تنازلا من الدولة، وإنما استثمار في الثقة العامة، ووسيلة لاكتشاف الخلل قبل أن يتفاقم، والمطلوب بيئة سياسية وإعلامية تسمح بالنقد والمساءلة، وتحمي حق المواطن في معرفة ما يجري، وتفتح المجال أمام الأفكار المختلفة، ضمن إطار القانون واحترام الحقوق والواجبات.

ولا يمكن الحديث عن الإصلاح والثقة العامة دون الوقوف بجدية أمام العدالة وسيادة القانون؛ فالقانون الذي يطبق على المواطن يجب أن يطبق بالمعيار ذاته على صاحب المنصب والمسؤول وصاحب النفوذ، وأي شعور بوجود حصانة غير معلنة أو امتيازات خارج إطار القانون من شأنه أن يضعف ثقة الناس بالمؤسسات، مهما تعددت التصريحات عن النزاهة والشفافية.

المطلوب أن تتحول مكافحة استغلال المنصب العام وتضارب المصالح والواسطة والمحسوبية إلى ممارسة مؤسسية ثابتة، لا إلى حملات موسمية أو شعارات للاستهلاك الإعلامي. فالعدالة لا تكتمل بالنصوص، وإنما بقدرة الجميع على الاحتكام إليها دون استثناء.

وفي الجانب الاقتصادي لم يعد الأردني معنياً بسماع المزيد من العناوين الكبيرة والخطط الطموحة بقدر اهتمامه بمعرفة أثرها على حياته اليومية.

فرص العمل ومستويات الدخل، والاستثمار، وكلفة المعيشة، وتحسين الخدمات، وتنفيذ المشاريع، كلها معايير حقيقية يمكن من خلالها قياس جدية التحديث الاقتصادي.

إن نجاح أي مشروع إصلاحي لا يقاس بعدد المؤتمرات التي تعلن عنه، ولا بحجم الوثائق التي تصدر باسمه، وإنما بما يخلقه من فرص عمل، وما يضيفه إلى الاقتصاد الوطني، وما يخففه من أعباء عن المواطنين.

المطلوب تحديد المسؤوليات، وإزالة العوائق البيروقراطية، ومتابعة التنفيذ، ومصارحة الناس بما تحقق وما تعثر وأسباب التعثر.

وفي إطار الأطماع الإسرائيلية ومخاطر إعادة تشكيل الإقليم، تفرض التطورات الإقليمية على الأردن قراءة استراتيجية تتجاوز التعامل مع الأحداث بوصفها أزمات منفصلة.

فالمنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل خطرة، تتداخل فيها تداعيات الحرب في غزة، ومستقبل القضية الفلسطينية، والتصعيد الإسرائيلي في لبنان، واحتمالات اتساع المواجهة مع إيران، إلى جانب الاضطرابات في سوريا والعراق، والتوترات التي تهدد أمن الممرات البحرية والتجارة والطاقة.

وتبرز في هذا المشهد مخاطر السياسات الإسرائيلية التوسعية، ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض، سواء في الضفة الغربية والقدس، أو من خلال تكريس السيطرة والاستيطان، أو الدفع باتجاه تصورات تتصل بالتهجير وتصفية القضية الفلسطينية.

وهذه المخاطر لا تمثل تهديدا للفلسطينيين وحدهم، وإنما تمس بصورة مباشرة الأمن الوطني الأردني، وترتبط بأمن الحدود والهوية الوطنية والاستقرار الإقليمي.

كما أن أي مواجهة واسعة بين إسرائيل وإيران قد تضع المنطقة أمام تداعيات أمنية واقتصادية وعسكرية تتجاوز أطرافها المباشرة، وتفرض على الأردن التعامل مع تحديات المجال الجوي، وحماية الحدود، وأمن الطاقة والتجارة، وتجنب الانزلاق إلى صراعات لا تخدم مصالحه.

ومن هنا فإن حماية المصالح الأردنية تتطلب دبلوماسية نشطة، واستعدادا دفاعيا، وتنسيقا إقليميا ودوليا، وموقفا وطنيا واضحا من كل محاولات فرض التهجير أو الانتقاص من الحقوق الفلسطينية.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الخطاب، إن كل واحدة من هذه القضايا تستحق خطة عمل مستقلة، ببرامج محددة، ومواعيد تنفيذ معلنة، وجهات مسؤولة، وآليات متابعة ومحاسبة.

فلا يكفي أن نتفق على أهمية المياه، أو ضرورة الإصلاح، أو حماية الجبهة الداخلية، أو مواجهة الأطماع الإسرائيلية؛ وإنما يجب أن نرى كيف ستترجم هذه الأولويات إلى قرارات ومشاريع وإجراءات ملموسة.

لقد عرف الأردنيون في سنوات سابقة الكثير من الأوراق النقاشية والخطط والاستراتيجيات والندوات والمؤتمرات، لكن بعض هذه الجهود بقي حبيس الأدراج والأرشيف، أو تحول إلى مادة للنقاش أكثر من كونه مسارا للتنفيذ، وهذه هي المعضلة التي يجب ألا تتكرر.

لا نريد أن ينتهي خطاب الملك بانتهاء اللقاءات التلفزيونية، ولا أن تتحول رسائله إلى عناوين تتداولها النخب ثم تنساها المؤسسات، نريد أن يبدأ العمل الحقيقي بعد الخطاب، وأن يشعر المواطن بأن ما قيل انعكس على حياته وأمنه وحقوقه وفرصه ومستقبله.

فالخطاب ليس مناسبة لتكاثر المفسرين، وإنما مسؤولية أمام الدولة ومؤسساتها، ولا تقاس قيمته بما قيل عنه وإنما بما سينفذ من مضمونه.

لا تفسدوا خطاب الملك بكثرة الكلام عنه؛ احترموا رسائله بأن تجعلوا منها عملا على الأرض.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم