امل خضر تكتب من أمن الدولة إلى كرامة المواطن .. خطاب العرش يضع المؤسسات أمام اختبار الإنجاز

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 29827
امل خضر تكتب من أمن الدولة إلى كرامة المواطن  ..  خطاب العرش يضع المؤسسات أمام اختبار الإنجاز
امل خضر

امل خضر

لم يكن خطاب العرش في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين مجرد عرض للأولويات الوطنية أو تأكيد للثوابت السياسية والاقتصادية بل حمل رسائل تتصل بطبيعة المرحلة المقبلة وحدود المسؤولية فيها، ومعايير الحكم على أداء مؤسسات الدولة. فقد وضع جلالة الملك أمن الأردن واستقراره وسيادة القانون في صلب المعادلة الوطنية بالتوازي مع التأكيد أن التحديث الاقتصادي لا يكتمل بإطلاق المشاريع والخطط، وإنما بقدرته على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين. وبذلك يمكن قراءة الخطاب باعتباره انتقالاً من مرحلة تثبيت الأولويات إلى مرحلة اختبار القدرة المؤسسية على تنفيذها وتحقيق نتائجها.
أعاد الخطاب التأكيد على أن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على مواجهة التهديدات، بل أيضاً بصلابة مؤسساتها، وتماسك جبهتها الداخلية، ومستوى الثقة المتبادلة بينها وبين المواطنين. وفي هذا السياق جاء استحضار الاعتداء الإرهابي في الكرك رسالة تؤكد أن حماية الأمن الوطني مسؤولية مؤسسية ومجتمعية متكاملة وأن الوعي الوطني والتماسك الداخلي يمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات الإرباك والاختراق. كما أن الإشادة بالقوات المسلحة والأجهزة الأمنية تعكس مركزية دورها في حماية الاستقرار وصون المنجز الوطني، ضمن إطار سيادة القانون واحترام مؤسسات الدولة.
وفي الملف الفلسطيني أكد الخطاب ثبات الموقف الأردني تجاه الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وربط استقرار المنطقة بمعالجة جذور الصراع لا بالاكتفاء بإدارة تداعياته. وهذه الرسالة تحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية تتجاوز الموقف الدبلوماسي التقليدي إذ يرفض الأردن التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً إنسانياً منفصلاً عن الأمن الإقليمي ويؤكد أن تجاهل الحقوق الفلسطينية واستمرار الانتهاكات وفرض الوقائع بالقوة يجعل أي حديث عن سلام مستدام أو استقرار إقليمي عرضة للاهتزاز. كما يعكس ذلك تمسك الأردن بمواقفه تجاه غزة والضفة الغربية والقدس باعتبار القضية الفلسطينية مسألة ترتبط بالأمن الوطني الأردني والاستقرار الإقليمي والشرعية الدولية.
حمل الخطاب تصوراً واضحاً لدور مجلس الأمةيقوم على أن الرقابة النيابية ليست إجراءً دستورياً شكلياً، بل ركيزة أساسية في منظومة المساءلة العامة وتحسين الأداء الحكومي. فالمواطن لا يحكم على المجلس من خلال التشريعات التي يقرها فحسب، بل أيضاً من خلال مستوى النقاش وجودة الرقابة وأداء النواب، ومدى قدرتهم على التعبير عن الأولويات الحقيقية للمجتمع. ومن هنا، تكتسب الممارسة البرلمانية قيمتها حين يتحول الاختلاف في الرأي إلى نقاش مسؤول ينتج حلولاً ويراقب السياسات العامة، لا إلى سجال يستهلك الوقت ويبتعد عن المصلحة الوطنية. ففاعلية المجلس تقاس بقدرته على ممارسة دوره الدستوري وتحقيق التوازن بين التشريع والرقابة والاستجابة لمصالح المواطنين.
كما تضمن الرسالة الأكثر أهمية في إعادة وضع المواطن معياراً أساسياً لقياس نجاح السياسات الحكومية. فالمشاريع الكبرى وبرامج التحديث الاقتصادي لا تكتسب قيمتها من حجم الإعلانات أو عدد المبادرات المعلنة، وإنما من أثرها الفعلي في التشغيل والدخل والاستثمار والإنتاج وتحسين الخدمات. وهذا يضع الحكومة أمام استحقاق يتجاوز الإعلان عن المشاريع إلى إثبات قدرتها على تحويلها إلى فرص اقتصادية حقيقية، تنعكس على حياة المواطنين، وتعزز تنافسية الاقتصاد، وتوفر فرص عمل مستدامة، خصوصاً للشباب.
ومن هذه الزاوية، فإن التحدي الاقتصادي لم يعد في إطلاق مبادرات جديدة بقدر ما يرتبط بكفاءة التنفيذ، وتنسيق السياسات، وإزالة العوائق أمام الاستثمار والإنتاج، وتحسين بيئة الأعمال. كما يتطلب إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام وفق العائد التنموي، وربط المسؤولية بالنتائج، وتقديم بيانات واضحة للرأي العام حول ما أُنجز وما تعثر وأسباب التعثر. وهنا يبرز سؤال جوهري هل تمتلك المؤسسات التنفيذية الأدوات الإدارية والمالية والكفاءات اللازمة لتحويل مستهدفات التحديث إلى نتائج ضمن جداول زمنية واضحة؟ فالمصداقية الاقتصادية لا تُبنى بالوعود وحدها بل بالقدرة على إثبات أثر السياسات في مؤشرات ملموسةوفي مقدمتها معدلات التشغيل، ومستويات المعيشة، وحجم الاستثمار المنتج، وجودة الخدمات.
وفي ملف المياه، برزت الأولوية باعتبارها قضية تتجاوز حدود الإدارة الخدمية والقطاعية، لتصبح جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فالأمن المائي يرتبط مباشرة بقدرة الدولة على حماية قطاعات حيوية، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة والصحة، وضمان استدامة التنمية للأجيال المقبلة. وتحقيق تقدم حقيقي في هذا الملف يتطلب إدارة طويلة الأمد للموارد، وتسريع المشاريع الاستراتيجية، وخفض الفاقد وتعزيز كفاءة الاستخدام، وتطوير حلول مستدامة لمواجهة المخاطر المستقبلية. كما أن نجاح السياسات المائية ينبغي أن يقاس بقدرتها على تحسين موثوقية التزويد، وتقليل الهدر، وتعزيز قدرة المملكة على التعامل مع التحديات المناخية والضغوط المتزايدة على مواردها.
وتبرز سيادة القانون في الخطاب باعتبارها أساساً للثقة بين المواطن والدولة، وشرطاً ضرورياً لعدالة الإدارة العامة وسلامة البيئة الاقتصادية، لا مجرد عنوان قانوني أو إداري. فالتأكيد أن الوظيفة العامة تكليف وليست امتيازاً، وأن القانون لا يستثني اسماً أو منصباً أو نفوذاً، يضع معياراً واضحاً للنزاهة والمساءلة وتكافؤ الفرص. وتكمن أهمية هذه الرسالة في أن تطبيق القانون بعدالة واتساق لا يعزز ثقة المواطنين بالمؤسسات فحسب، بل يحد أيضاً من الواسطة والمحسوبية، ويحمي المنافسة العادلة، ويمنح المستثمرين بيئة أكثر وضوحاً واستقراراً. فالدولة القوية ليست التي تضع القوانين فقط، وإنما التي تضمن تطبيقها على الجميع دون استثناء.
وفي هذا الإطار، تتكامل المسؤولية الحكومية والرقابة البرلمانية والإدارة العامة في معادلة واحدة فلا يمكن تحقيق التحديث الاقتصادي بمعزل عن كفاءة الجهاز الإداري، ولا يمكن تعزيز ثقة المواطن دون مساءلة حقيقية كما لا يمكن بناء بيئة استثمارية جاذبة في ظل تفاوت تطبيق القانون أو غياب الشفافية. ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من إدارة الملفات بصورة منفصلة إلى إدارة وطنية متكاملة تربط بين الأمن والتنمية والإصلاح المؤسسي، وتحدد بوضوح مسؤولية كل جهة عن النتائج المطلوبة.
في المحصلة، يضع خطاب العرش المرحلة المقبلة أمام معادلة مترابطة أمن يحمي الاستقرار ومؤسسات تمارس أدوارها بمسؤولية، وسيادة قانون تعزز الثقة والعدالة، واقتصاد ينتج فرصاً حقيقية، وإدارة عامة تخضع للمساءلة. لكن الاختبار الأهم لن يكون في وضوح التوجيهات أو أهمية الأولويات بل في قدرة المؤسسات على ترجمتها إلى برامج محددةوجداول زمنية ملزمة، ومؤشرات أداء معلنة، ومحاسبة واضحة على النتائج. فالمواطن لا ينتظر أن يسمع عن التحديث فحسب، بل يريد أن يلمس أثره في العمل والدخل والخدمات ومستقبل أبنائه.
إن التحدي الحقيقي أمام مؤسسات الدولة لم يعد في تحديد ما ينبغي إنجازه بل في إثبات القدرة على إنجازه؛ وتحويل التوجيهات إلى نتائج، والخطط إلى فرص، والاستثمارات إلى قيمة مضافة، والوعود إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين. ومن هنا، فإن قيمة المرحلة المقبلة لن تتحدد بما يُعلن من أولويات، وإنما بما يتحقق منها على أرض الواقع. فبعد تثبيت الثوابت وترسيخ الأولويات، تبدأ مرحلة اختبار الإنجاز، حيث تصبح النتائج المعيار الحقيقي لقوة المؤسسات ونجاح التحديث وثقة المواطن بالدولة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم