صائب عارف يكتب: العالم تحكمه الفوضى بعدما همّشت أمريكا القوانين والمنظمات الدولية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 15001
صائب عارف يكتب: العالم تحكمه الفوضى بعدما همّشت أمريكا القوانين والمنظمات الدولية
صائب عارف

صائب عارف

لم يعد العالم يعيش في ظل نظام دولي تحكمه القوانين والمواثيق، بل بات يواجه حالة متصاعدة من الفوضى، في ظل تراجع هيبة المؤسسات الدولية وعجزها عن فرض قراراتها على الدول القوية. وتبرز الولايات المتحدة، بما تمتلكه من نفوذ سياسي وعسكري واقتصادي، بوصفها طرفاً محورياً في هذا المشهد، خصوصاً عندما تتعامل مع القانون الدولي وفقاً لمصالحها الاستراتيجية، فتدعمه حين يخدم أهدافها، وتتجاهل آلياته حين يتعارض معها.

لقد أُنشئت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لحماية السلم والأمن الدوليين، ومنع الحروب، وصون حقوق الشعوب، وترسيخ مبدأ المساواة بين الدول. لكن ما الفائدة من هذه المؤسسات إذا كانت قراراتها عاجزة عن التنفيذ، وإذا كانت الدول الكبرى قادرة على تعطيل إرادتها أو تجاوزها دون أن تواجه عواقب تتناسب مع أفعالها؟

إن أخطر ما يواجه النظام الدولي اليوم هو ترسيخ مبدأ ازدواجية المعايير؛ فهناك دول تُفرض عليها العقوبات وتُحاصر سياسياً واقتصادياً، بينما تحظى دول أخرى بالحماية السياسية والدعم، حتى عندما تُثار اتهامات جدية بشأن انتهاكات القانون الدولي. وهذا التفاوت لا يقوّض الثقة بالمؤسسات الدولية فحسب، بل يزرع الشعور بالظلم ويدفع الشعوب إلى التساؤل عن جدوى القوانين التي لا تُطبّق على الجميع.

وفي القضية الفلسطينية، تتجلى هذه المعضلة بوضوح؛ إذ تتواصل المعاناة الإنسانية، وتتكرر الدعوات الدولية إلى حماية المدنيين واحترام الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، فيما تبقى الفجوة واسعة بين القرارات والمواقف المعلنة وبين التنفيذ الفعلي. ويؤدي الدعم الأمريكي لإسرائيل، ولا سيما في المحافل الدولية، دوراً أساسياً في تشكيل هذا الواقع، الأمر الذي يثير تساؤلات جوهرية حول مسؤولية القوى الكبرى عن ضمان احترام قواعد القانون الدولي.

إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من المؤتمرات والبيانات والقرارات التي تنتهي صلاحيتها عند مغادرة قاعات الاجتماعات، بل يحتاج إلى إرادة دولية حقيقية تجعل القانون فوق المصالح، وتمنع تحويل القوة العسكرية والسياسية إلى وسيلة لفرض الأمر الواقع.

فإذا استمرت الدول الكبرى في التعامل مع القانون الدولي باعتباره خياراً انتقائياً، لا التزاماً ملزماً، فإن النظام العالمي سيظل عرضة لمزيد من النزاعات والتوترات، وستتراجع الثقة بالمنظمات الدولية، وقد تجد الدول الأضعف نفسها أمام واقع لا يحمي فيه الحقوق إلا ميزان القوة.

إن المأساة الحقيقية ليست في غياب القوانين الدولية، بل في غياب الإرادة التي تفرض احترامها. وعندما تصبح القوة بديلاً عن القانون، والمصالح بديلاً عن العدالة، فإن العالم لا يتجه نحو نظام دولي أكثر استقراراً، بل نحو فوضى يدفع ثمنها الضعفاء قبل الأقوياء.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم