مع اقتراب افتتاح الدورة العادية لمجلس النواب وما يرافق ذلك من حراك نيابي ولقاءات وحوارات ونقاشات حول رئاسة المجلس وما نسمعه من رغبات بالترشح وتفاهمات وتوقعات يبدو أننا أمام مشهد يتكرر مع كل استحقاق نيابي حيث تتجه الأنظار إلى الأسماء وتنشغل المجالس بالسؤال التقليدي: من هو الرئيس القادم للمجلس ؟ لكن أما آن لهذا السؤال أن يتغيّر؟ أما آن أن ننتقل من الاهتمام بالشخص الذي سيجلس على كرسي الرئاسة إلى الاهتمام بما سيحمله معه من رؤية وما سيقدمه من عمل وما سيتركه من أثر؟ ليس السؤال عن الرئيس القادم سؤالًا غير مشروع فاختيار رئيس مجلس النواب استحقاق دستوري وسياسي مهم وله أثره في إدارة الجلسات وتنظيم العمل النيابي والعلاقة بين المجلس والحكومة لكن المشكلة تبدأ حين يصبح اسم الرئيس هو القضية وتغيب عن النقاش القضايا التي يفترض أن تكون في صلب الاهتمام ماذا نريد من مجلس النواب في دورته الجديدة؟ وما الذي ننتظره من رئيسه؟ وما الأولويات التي ينبغي أن يتقدم بها المجلس في مرحلة تتزايد فيها التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟ إن رئاسة مجلس النواب ليست وجاهة سياسية ولا موقعًا بروتوكوليًا ولا محطة تُضاف إلى السيرة الشخصية لصاحبها إنها مسؤولية عامة وموقع يفترض أن تُقاس قيمته بما يتيحه من قدرة على إدارة العمل التشريعي والرقابي وتعزيز الحوار تحت القبة وضمان احترام النظام الداخلي وتوفير المساحة اللازمة لمختلف الآراء والاتجاهات النيابية ولذلك فإن الرئيس القادم أيًا كان اسمه ينبغي أن يواجه منذ اليوم الأول أسئلة تتجاوز حدود المنافسة على الموقع: ما خطته لإدارة المجلس؟ كيف سيعزز الدور الرقابي للنواب؟ كيف سيضمن أن تكون التشريعات موضع نقاش حقيقي وأن تخضع القوانين للدراسة الكافية قبل إقرارها؟ وكيف سيمنح اللجان النيابية دورها الفاعل ويعزز حضورها في دراسة الملفات التي تمس حياة المواطنين ومصالحهم؟ ثم أن السؤال الأهم: كيف يمكن لمجلس النواب أن يكون أكثر قربًا من الناس وأكثر قدرة على التعبير عن همومهم وتطلعاتهم؟ فالمواطن الذي يواجه أعباء المعيشة ويبحث عن فرصة عمل ويقلقه مستقبل أبنائه لا تعنيه كثيرًا تفاصيل التفاهمات التي سبقت انتخاب الرئيس بقدر ما يعنيه أن يرى أثرًا ملموسًا للعمل النيابي في القضايا التي تمس حياته اليومية ولا يعني ذلك أن رئيس المجلس وحده قادر على تحقيق كل ما يطمح إليه المواطنون فالمسؤولية مشتركة بين أعضاء المجلس ومؤسساته الدستورية ولكل طرف صلاحياته وحدوده لكن الرئيس بحكم موقعه يستطيع أن يسهم في بناء بيئة نيابية أكثر فاعلية وأن يوجّه إدارة المجلس نحو الأولويات الوطنية وأن يجعل الاختلاف بين النواب مدخلًا للحوار والتوافق لا سببًا لتعطيل العمل أو إفراغه من مضمونه. كما أن المطلوب ليس مجرد وعود عامة تُقال في اللقاءات المغلقة أو خلال التنافس على الأصوات بل رؤية واضحة يمكن مناقشتها ومتابعة تنفيذها ومحاسبة صاحبها على ما تحقق منها رؤية تحدد الأولويات وتوضح آليات العمل وتضع مصلحة المؤسسة التشريعية فوق الحسابات الشخصية والاعتبارات الآنية ومن هنا فإن مسؤولية تغيير السؤال لا تقع على النواب وحدهم بل تقع أيضًا على الإعلام والنخب السياسية والمجتمع فبدلًا من أن ينحصر اهتمامنا في عدد المؤيدين لهذا المرشح أو ذاك وفي طبيعة التحالفات والتفاهمات يمكننا أن نسأل كل من يفكر في الترشح: ما الذي ستضيفه إلى أداء المجلس؟ ما تصورك لتطوير العمل النيابي؟ كيف ستتعامل مع الاختلاف في وجهات النظر؟ وما المعايير التي ستحتكم إليها في إدارة الجلسات وتوزيع المسؤوليات وتعزيز دور اللجان؟ هذه الأسئلة لا تستهدف شخصًا بعينه ولا تنحاز إلى مرشح دون آخر بل تضع الجميع أمام معيار واحد: أن تكون المنافسة على رئاسة المجلس منافسةً على الرؤية والبرنامج والقدرة على خدمة المؤسسة التشريعية والوطن لا على الموقع وحده. إن قيمة أي استحقاق سياسي لا تتحدد فقط بمن يفوز فيه بل أيضًا بطبيعة النقاش الذي يسبقه وبمستوى الوعي الذي يرافقه وبالنتائج التي تترتب عليه وعندما ينصبّ الاهتمام على الأسماء وحدها فإننا نختصر مؤسسة دستورية كاملة في شخص رئيسها ونتعامل مع الرئاسة بوصفها غاية بدل أن نراها وسيلة لتطوير العمل النيابي وتحقيق أهدافه أما حين نغيّر السؤال فإننا نغيّر طبيعة النقاش كله فننتقل من متابعة المشهد إلى مساءلته ومن انتظار النتيجة إلى مناقشة ما ينبغي أن يترتب عليها ومن الاهتمام بمن سيتولى الموقع إلى الاهتمام بما سيقدمه من خلاله ومع افتتاح الدورة العادية لمجلس النواب نحن بحاجة إلى هذا التحول في التفكير والخطاب بحاجة إلى أن يكون انتخاب الرئيس بدايةً لنقاش أوسع حول دور المجلس وأولوياته لا نهايةً لمشهد ينتهي بمجرد إعلان النتيجة وتبادل التهاني. فالسؤال الذي يستحق أن يتصدر المشهد اليوم ليس: من هو الرئيس القادم لمجلس النواب؟ بل: ماذا سيفعل الرئيس القادم ليكون المجلس أكثر فاعلية وأكثر قدرة على التشريع والرقابة وأكثر قربًا من المواطن؟ أما آن للسؤال أن يتغيّر؟ ربما يكون تغيير السؤال هو الخطوة الأولى نحو تغيير ما ننتظره من الإجابة فالأسماء تتبدل والدورات تنتهي والمواقع تنتقل من شخص إلى آخر لكن ما يبقى في ذاكرة الناس هو ما تحقق وما أُنجز وما تغيّر في حياتهم وفي النهاية لا ينبغي أن يكون المعيار هو من جلس على كرسي الرئاسة بل ما الذي استطاع أن ينجزه من خلاله.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات