مؤيد حسن عدنان الغنميين يكتب: الأردن بين تحديات الإقليم واستحقاقات المستقبل .. كيف نبني دولة آمنة للأجيال القادمة؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 11381
مؤيد حسن عدنان الغنميين يكتب: الأردن بين تحديات الإقليم واستحقاقات المستقبل ..  كيف نبني دولة آمنة للأجيال القادمة؟
مؤيد حسن عدنان الغنميين

مؤيد حسن عدنان الغنميين

لم يعد الحديث عن مستقبل الأردن ترفاً فكرياً أو مجرد طرح سياسي قابل للتداول في المناسبات، بل أصبح مسؤولية وطنية تفرضها التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وما يحيط بالدولة الأردنية من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، في إقليم لا يكاد يخرج من أزمة حتى يدخل في أخرى.



لقد أثبت الأردن، عبر عقود من التحولات والصراعات الإقليمية، قدرة على المحافظة على استقراره وتماسك مؤسساته، رغم ما تحمله موقعه الجغرافي والسياسي من أعباء.


فمن القضية الفلسطينية وتداعياتها، إلى أزمات العراق وسوريا، مروراً بموجات اللجوء والاضطرابات الأمنية والاقتصادية، ظل الأردن أمام اختبارات متواصلة تتطلب حكمة سياسية، وجاهزية أمنية، وتماسكاً اجتماعياً، ودبلوماسية متوازنة تحافظ على المصالح الوطنية العليا.



لكن المحافظة على الاستقرار، مهما بلغت أهميتها، لا ينبغي أن تكون نهاية الطموح الوطني؛ فالاستقرار الحقيقي هو الذي يتحول إلى فرص عمل، وتعليم نوعي، وعدالة في توزيع مكتسبات التنمية، وخدمات عامة تليق بالمواطن، ومؤسسات يشعر من خلالها الجميع بأن حقوقهم مصانة وأن واجباتهم واضحة.



الأردن في محيط إقليمي متغير.. وأولوية حماية الدولة إن ما تشهده المنطقة من توترات وصراعات، وما يرافقها من تهديدات للأمن الإقليمي والاقتصاد وسلاسل الإمداد والطاقة والمياه، يفرض على الأردن الاستمرار في تبني سياسة خارجية متوازنة، تقوم على احترام القانون الدولي، وحماية المصالح الوطنية، وعدم السماح بتحويل الأراضي الأردنية أو القرار الوطني إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.



وفي الوقت ذاته، فإن حماية الأمن الوطني لا تقتصر على الجانب العسكري والأمني، بل تشمل حماية الجبهة الداخلية من خطاب الكراهية والتطرف والإشاعات والتضليل، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فالأمن ليس مسؤولية الأجهزة المختصة وحدها، وإنما مسؤولية وطنية مشتركة، تتكامل فيها أدوار الدولة والمجتمع والأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والأحزاب السياسية. ومن هنا، فإن الوحدة الوطنية ليست شعاراً موسمياً، بل ضرورة استراتيجية، تقوم على المواطنة المتساوية، واحترام التنوع، وسيادة القانون، ورفض أي خطاب يحاول تقسيم المجتمع أو الانتقاص من حقوق أي مواطن بسبب أصله أو معتقده أو انتمائه الاجتماعي. من الاستقرار السياسي إلى المشاركة السياسية الفاعلة يمر الأردن بمرحلة مهمة من مسارات التحديث السياسي، التي تستهدف تطوير الحياة الحزبية والبرلمانية، وتوسيع مشاركة الشباب والمرأة، وتعزيز العمل البرامجي القائم على الأفكار والحلول بدلاً من الاكتفاء بالخطابات والشعارات.



لكن نجاح هذا المسار لا يقاس بعدد الأحزاب أو البرامج الانتخابية وحدها، بل بمدى قدرتها على إنتاج قيادات تمتلك المعرفة والكفاءة والنزاهة، وتقدم حلولاً واقعية للتحديات التي تواجه المواطنين.


إن الحزب السياسي يجب أن يكون مدرسة وطنية لتأهيل القيادات، ومنصة للحوار المسؤول، ومساحة لتبادل الأفكار، لا مجرد وسيلة للوصول إلى المواقع السياسية. كما أن المشاركة السياسية لا تعني المطالبة بالحقوق فقط، وإنما تعني أيضاً تحمل المسؤولية، واحترام الدستور والقانون، والقبول بالاختلاف، وممارسة النقد البناء، والابتعاد عن المصالح الضيقة. ومن الضروري أن تتطور العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة من علاقة تقوم على انتظار الخدمة إلى علاقة تقوم على الشراكة والمساءلة والثقة المتبادلة.



التعليم والتنشئة الوطنية.. الاستثمار الذي لا يجوز تأجيله إذا أردنا الحديث عن دولة آمنة ومستقرة للأجيال القادمة، فعلينا أن نبدأ من المدرسة والأسرة والجامعة.


فالتعليم ليس مجرد وسيلة للحصول على شهادة أو وظيفة، بل هو الأساس الذي تتشكل من خلاله شخصية المواطن، ووعيه بحقوقه وواجباته، وقدرته على التفكير والتحليل واحترام الآخر والمشاركة في بناء المجتمع. إن المناهج التعليمية بحاجة إلى مراجعة وتطوير مستمرين، بما يعزز التفكير النقدي، والثقافة القانونية والدستورية، والتربية المدنية، والوعي الرقمي، والمهارات التقنية والمهنية، ويربط مخرجات التعليم بحاجات سوق العمل ، فهو أساس بناء الأجيال ومستقبل الدولة، ولا بد أن يحظى باهتمام حقيقي في أي مشروع للإصلاح والتطوير.


فنحن بحاجة إلى تعليم يجمع بين العلم والمعرفة والأخلاق، ويحافظ على هويتنا الإسلامية والعربية وقيمنا الوطنية، ويعزز في نفوس أبنائنا احترام الدين والأسرة والمجتمع، وقيم التسامح والرحمة والصدق وتحمل المسؤولية مستلهمين في ذلك رسالة عمّان التي قدمت للعالم صورة الإسلام القائمة على الوسطية، ورفض الغلو والتطرف، واحترام التعددية وصون كرامة الإنسان ولا يعني تطوير المناهج التخلي عن ثوابتنا أو قيمنا، بل يعني تحديث أساليب التعليم، وتنمية التفكير والتحليل والحوار، وتشجيع الإبداع والابتكار، مع ترسيخ الاعتدال واحترام الآخر والابتعاد عن الغلو والتطرف ، فالأجيال القادمة تحتاج إلى العلم الذي يؤهلها لمواجهة متغيرات العصر، وإلى الأخلاق التي تحسن توجيه هذا العلم لخدمة الإنسان والوطن.


كما ينبغي إعادة الاعتبار للتعليم المهني والتقني، وتوسيع مسارات التدريب والتأهيل، وعدم اختزال النجاح الاجتماعي في الشهادة الجامعية أو الوظيفة الحكومية. أما التنشئة الوطنية، فلا ينبغي أن تقوم على تلقين الشعارات، وإنما على تعريف الأجيال بتاريخ الأردن وتضحيات أبنائه، ومؤسساته الدستورية، وهويته الوطنية، ودور القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وقيمة العمل العام واحترام القانون. فالانتماء الحقيقي يتعزز عندما يرى الشاب أن وطنه يمنحه فرصة عادلة، ويستمع إلى رأيه، ويحترم طموحه، ويتيح له المشاركة في صناعة مستقبله. العدالة الاجتماعية والاقتصاد.. كرامة المواطن أساس الاستقرار لا يمكن بناء مستقبل آمن دون معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.


فالبطالة، وارتفاع كلف المعيشة، وضعف الفرص في بعض المحافظات، وتراجع القدرة الشرائية، تشكل تحديات تتطلب سياسات تنموية تتجاوز المعالجات المؤقتة. إن رؤية التحديث الاقتصادي والبرنامج التنفيذي الثاني للأعوام 2026–2029 يشكلان إطاراً مهماً للانتقال نحو اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمة الخطط إلى نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية. وهنا تبرز ضرورة توجيه الاستثمار نحو المحافظات، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتحفيز القطاع الخاص، وتوفير بيئة عادلة للمنافسة، وتطوير قطاعات السياحة والزراعة والصناعة والطاقة والتكنولوجيا.


كما أن العدالة في التنمية تقتضي ألا تبقى الفرص والخدمات متركزة في العاصمة والمدن الكبرى، بل يجب أن تصل إلى الأطراف والبوادي والقرى، بحيث يكون لكل محافظة نصيب عادل من المشاريع والبنية التحتية وفرص العمل. فالمواطن في الشوبك أو معان أو الطفيلة أو الكرك أو المفرق أو العقبة، يجب أن يشعر بأن فرصته في التنمية والنجاح لا تقل عن فرصة المواطن في أي منطقة أخرى.


سيادة القانون.. الضمانة الحقيقية لحفظ الحقوق والواجبات إن الدولة القوية ليست الدولة التي تطالب مواطنيها باحترام القانون فحسب، بل الدولة التي تطبق القانون على الجميع دون تمييز، وتحمي الحقوق والحريات، وتضمن حق التقاضي والوصول إلى العدالة، وتصون المال العام، وتحاسب المقصر والمعتدي وفق الأصول القانونية.

ومن هنا، فإن تطوير الإدارة العامة، وتبسيط الإجراءات، والتحول الرقمي، وتسريع الفصل في النزاعات، وتعزيز استقلال القضاء، ومكافحة الفساد، تمثل ركائز أساسية لبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. كما يجب ترسيخ ثقافة الحقوق والواجبات؛ فحق المواطن في التعليم والعمل والرعاية الصحية والكرامة والعدالة يقابله واجب احترام القانون، والمحافظة على الممتلكات العامة، والالتزام بالمسؤولية المجتمعية، والمساهمة في حماية المصلحة الوطنية.


ولا يجوز أن تتحول المطالبة بالحقوق إلى فوضى، كما لا يجوز أن تتحول المطالبة بالواجبات إلى انتقاص من الحقوق. فالدولة الدستورية تقوم على التوازن بينهما، وعلى أن تكون كرامة الإنسان وحريته في إطار القانون أساس العلاقة بين الفرد والمؤسسات. الثقافة والمجتمع والأسرة.. حماية الهوية وبناء الإنسان إن التحديات التي تواجه المجتمعات لا تعالج بالقرارات الحكومية وحدها، فهناك مسؤولية كبيرة تقع على الأسرة والمؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية.


نحتاج إلى إعادة الاعتبار للقراءة والحوار، وتشجيع المبادرات الشبابية والتطوعية، وتعزيز دور المراكز الثقافية والهيئات المحلية، وحماية الموروث الاجتماعي الأردني من الاندثار، دون أن يتحول التمسك بالعادات والتقاليد إلى عائق أمام التطور والتجديد. كما أن الأسرة تبقى المؤسسة الأولى في بناء الشخصية، وفي غرس قيم الاحترام والانضباط والتسامح والمسؤولية. ومن المهم أن نمنح الشباب مساحات حقيقية للتعبير والمبادرة والابتكار، وأن ننتقل من التعامل معهم باعتبارهم فئة تحتاج إلى التوجيه فقط، إلى اعتبارهم شركاء في صناعة القرار والتنمية.

ما الذي نحتاج إليه في المرحلة المقبلة؟ إن بناء الأردن الذي نطمح إليه يتطلب الانتقال من إدارة التحديات اليومية إلى التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، ويمكن تحديد عدد من الأولويات:

1. تعزيز الأمن الوطني والجاهزية لمواجهة التهديدات الإقليمية والرقمية، مع حماية التماسك الداخلي.


2. تطوير الحياة السياسية والحزبية والبرلمانية، وربط المشاركة السياسية بالكفاءة والبرامج والمساءلة.


3. إصلاح التعليم والتنشئة الوطنية، وربط مخرجات التعليم باحتياجات الاقتصاد وسوق العمل.

4. تحقيق تنمية متوازنة بين المحافظات، وتوفير فرص حقيقية للشباب .

5. تعزيز سيادة القانون والعدالة الناجزة، وتكافؤ الفرص، ومكافحة الفساد دون استثناء.


6. حماية الأسرة والهوية الوطنية، وتطوير المؤسسات الثقافية والاجتماعية والإعلامية.



7. اعتماد مؤشرات واضحة لقياس الإنجاز الحكومي، وإعلان النتائج بشفافية، ومحاسبة الجهات المسؤولة عن التنفيذ. ولا بد أن تكون هذه الأولويات مرتبطة بجداول زمنية وموازنات محددة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، حتى لا تبقى الخطط الوطنية وثائق جميلة لا يلمس المواطن أثرها.



الأردن الذي نريده للأجيال القادمة إن مستقبل الأردن لا ينبغي أن يقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على تحويل التحديات إلى فرص، وبناء مجتمع يمتلك المناعة السياسية والاقتصادية والثقافية، ويؤمن بأن الدولة للجميع، وأن القانون فوق الجميع، وأن الكفاءة والمواطنة هما أساس تكافؤ الفرص. نريد أردناً يشعر فيه الشاب أن مستقبله لا يتوقف على الواسطة، وأن المرأة شريكة في التنمية، وأن العامل يحصل على حقوقه، وأن صاحب المشروع يجد بيئة عادلة، وأن المواطن يصل إلى العدالة دون تعقيد، وأن المدرسة تصنع إنساناً واعياً، وأن المؤسسات العامة تعمل لخدمة الناس لا لإثقالهم بالإجراءات.


ونريد دولة تحافظ على ثوابتها الوطنية، وتتمسك بمواقفها تجاه القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وتواصل دورها في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي، دون التفريط بمصالحها أو أمنها أو قرارها الوطني المستقل.



إن الأجيال القادمة لن تحكم علينا من خلال ما رفعناه من شعارات، بل من خلال ما تركناه لها من مؤسسات قوية، وتعليم نوعي، واقتصاد منتج، وعدالة راسخة، وبيئة اجتماعية متماسكة، وفرص حقيقية للحياة والعمل والإنجاز. فالأردن الذي نحافظ عليه اليوم هو أمانة في أعناقنا، والأردن الذي نبنيه للغد هو مسؤوليتنا جميعاً. والاستقرار الذي لا تصاحبه تنمية وعدالة وفرص متكافئة يبقى استقراراً يحتاج إلى مزيد من العمل، أما الدولة القوية فهي التي يشعر كل مواطن فيها أن له حقاً مصاناً، وواجباً يؤديه، ومستقبلاً يستطيع أن يشارك في صناعته.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم